< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَهَؤُلاءِ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ كانُوا يَمْنَعُونَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَكانَ قَوْلُ:﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مَعْناهُ: لا تَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ مَنعُهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَقُرِئَ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةً عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً عَلى اللَّفْظِ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم كاذِبُونَ في قَوْلِكم: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ تَحْسُنُ عِبادَتُها، أوْ في قَوْلِكم: إنَّها تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ هَذا كَذِبًا وافْتِراءً وهي جَماداتٌ لا حِسَّ لَها ولا إدْراكَ، والإنْسانُ هو الَّذِي رَكَّبَها وصَوَّرَها، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالإنْسانِ الَّذِي صَنَعَها أنْ يَعْبُدَها، وأنْ يَضَعَ الجَبْهَةَ عَلى التُّرابِ تَعْظِيمًا لَها! ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أرْشَدَهم إلى التَّوْحِيدِ ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى إذا كانَتْ مُطَهَّرَةً عَنْ دَنَسِ الطَّمَعِ، قَوِيَ تَأْثِيرُها في القَلْبِ.صفحة ١٠
ثُمَّ قالَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أفَلا تَعْقِلُونَ أنِّي مُصِيبٌ في المَنعِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ هَذا المَنعِ، كَأنَّهُ مَرْكُوزٌ في بَدائِهِ العُقُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي ذَكَرَها هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في المَقامِ الأوَّلِ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، وفي هَذا المَقامِ دَعاهم إلى الِاسْتِغْفارِ ثُمَّ إلى التَّوْبَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: اسْتَغْفِرُوا، أيْ سَلُوهُ أنْ يَغْفِرَ لَكم ما تَقَدَّمَ مِن شِرْكِكم، ثُمَّ تُوبُوا مِن بَعْدِهِ بِالنَّدَمِ عَلى ما مَضى، وبِالعَزْمِ عَلى أنْ لا تَعُودُوا إلى مِثْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”إنَّكم مَتى فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُكْثِرُ النِّعَمَ عِنْدَكم، ويُقَوِّيكم عَلى الِانْتِفاعِ بِتِلْكَ النِّعَمِ“ وهَذا غايَةُ ما يُرادُ مِنَ السَّعاداتِ، فَإنَّ النِّعَمَ إنْ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً تَعَذَّرَ الِانْتِفاعُ، وإنْ كانَتْ حاصِلَةً إلّا أنَّ الحَيَوانَ قامَ بِهِ المَنعُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ أيْضًا، أمّا إذا كَثُرَتِ النِّعْمَةُ وحَصَلَتِ القُوَّةُ الكامِلَةُ عَلى الِانْتِفاعِ بِها فَهَهُنا تَحْصُلُ غايَةُ السَّعادَةِ والبَهْجَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ إشارَةٌ إلى تَكْثِيرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ مادَّةَ حُصُولِ النِّعَمِ هي الأمْطارُ المُوافِقَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوى الَّتِي بِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ جامِعَةٌ في البِشارَةِ بِتَحْصِيلِ السِّعاداتِ، وأنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها مُمْتَنِعَةٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَأمَّلَ في هَذِهِ اللَّطائِفِ؛ لِيَعْرِفَ ما في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ مِنَ الأسْرارِ المَخْفِيَّةِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم قالُوا: القَوْمُ كانُوا مَخْصُوصِينَ في الدُّنْيا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الكَمالِ:
أحَدُهُما: أنَّ بَساتِينَهم ومَزارِعَهم كانَتْ في غايَةِ الطِّيبِ والبَهْجَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾[الفَجْرِ: ٧] .
والثّانِي: أنَّهم كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والبَطْشِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾[فُصِّلَتْ: ١٥ ]، ولَمّا كانَ القَوْمُ مُفْتَخِرِينَ عَلى سائِرِ الخَلْقِ بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَدَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم