< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
نُوحٌ وقَوْمُهُ عَلى أذى أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الصَّبْرَ عاقِبَتُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والفَرَحُ والسُّرُورُ، كَما كانَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِقَوْمِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ يُونُسَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَها هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: إنَّ القِصَّةَ الواحِدَةَ قَدْ يُنْتَفَعُ بِها مِن وُجُوهٍ: فَفي السُّورَةِ الأُولى كانَ الكُفّارُ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ العَذابِ، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ نُوحٍ في بَيانِ أنَّ قَوْمَهُ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ بِسَبَبِ أنَّ العَذابَ ما كانَ يَظْهَرُ، ثُمَّ في العاقِبَةِ ظَهَرَ، فَكَذا في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأجْلِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُبالِغُونَ في الإيحاشِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ لِبَيانِ أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الإيذاءِ والإيحاشِ كانَ حاصِلًا في زَمانِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صَبَرَ نالَ الفَتْحَ والظَّفَرَ، فَكُنْ يا مُحَمَّدُ كَذَلِكَ؛ لِتَنالَ المَقْصُودَ. ولَمّا كانَ وجْهُ الِانْتِفاعِ بِهَذِهِ القِصَّةِ في كُلِّ سُورَةٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرُها خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ مِنَ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا
صفحة ٩
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾[هُودٍ: ٢٥ ] والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا، وقَوْلُهُ: (هُودًا) عَطْفُ بَيانٍ.واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هُودًا بِأنَّهُ أخُوهم، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الأُخُوَّةَ ما كانَتْ في الدِّينِ، وإنَّما كانَتْ في النَّسَبِ؛ لِأنَّ هُودًا كانَ رَجُلًا مِن قَبِيلَةِ عادٍ، وهَذِهِ القَبِيلَةُ كانَتْ قَبِيلَةً مِنَ العَرَبِ، وكانُوا بِناحِيَةِ اليَمَنِ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ لِلرَّجُلِ: يا أخا تَمِيمٍ، ويا أخا سُلَيْمٍ، والمُرادُ: رَجُلٌ مِنهم.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في ابْنِ نُوحٍ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ قَرابَةَ النِّسَبِ لا تُفِيدُ إذا لَمْ تَحْصُلْ قَرابَةُ الدِّينِ، وهَهُنا أثْبَتَ هَذِهِ الأُخُوَّةَ مَعَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟
قُلْنا: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ في مُحَمَّدٍ - مَعَ أنَّهُ واحِدٌ مِن قَبِيلَتِهِمْ - أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هُودًا كانَ واحِدًا مِن عادٍ، وأنَّ صالِحًا كانَ واحِدًا مِن ثَمُودَ؛ لِإزالَةِ هَذا الِاسْتِبْعادِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ:
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِ تَعالى ؟
قُلْنا: دَلائِلُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةٌ، وهي دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، وقَلَّما تُوجَدُ في الدُّنْيا طائِفَةٌ يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ تَعالى؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لُقْمانَ: ٢٥ ] .
قالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ وخَتَمَ لَهُ بِالحُسْنى -: دَخَلْتُ بِلادَ الهِنْدِ، فَرَأيْتُ أُولَئِكَ الكُفّارَ مُطْبِقِينَ عَلى الِاعْتِرافِ بِوُجُودِ الإلَهِ، وأكْثَرُ بِلادِ التُّرْكِ أيْضًا كَذَلِكَ، وإنَّما الشَّأْنُ في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنَّها آفَةٌ عَمَّتْ أكْثَرَ أطْرافِ الأرْضِ، وهَكَذا الأمْرُ كانَ في الزَّمانِ القَدِيمِ - أعْنِي زَمانَ