< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إلّا إذا قُلْنا: المُرادُ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ.
ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا أخْبارًا كَثِيرَةً في هَذا البابِ:
رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن جُبِّ الحَزَنِ، قِيلَ: وما جُبُّ الحَزَنِ ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُلْقى فِيهِ القُرّاءُ المُراءُونَ» “ .
وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن يَرى النّاسُ أنَّ فِيهِ خَيْرًا ولا خَيْرَ فِيهِ» “ .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُدْعى بِرَجُلٍ جَمَعَ القُرْآنَ، فَيُقالُ لَهُ: ما عَمِلْتَ فِيهِ ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، قُمْتُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتَ، بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ويُؤْتى بِصاحِبِ المالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: ألَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ فَماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: وصَلْتُ الرَّحِمَ وتَصَدَّقْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ صفحة ١٦٠
ورُوِيَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ عِنْدَ مُعاوِيَةَ قالَ الرّاوِي: فَبَكى حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ هالِكٌ ثُمَّ أفاقَ وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن تَوْفِيَةِ أُجُورِ تِلْكَ الأعْمالِ هو أنَّ كُلَّ ما يَسْتَحِقُّونَ بِها مِنَ الثَّوابِ فَإنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، فَإذا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَبْقَ مَعَهم مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ مِن آثارِ الخَيْراتِ، بَلْ لَيْسَ لَهم مِنها إلّا النّارُ.
واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن أتى بِالأعْمالِ لِأجْلِ طَلَبِ الثَّناءِ في الدُّنْيا ولِأجْلِ الرِّياءِ، فَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ غَلَبَ عَلى قَلْبِهِ حُبُّ الدُّنْيا، ولَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ حُبُّ الآخِرَةِ؛ إذْ لَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الآخِرَةِ وما فِيها مِنَ السَّعاداتِ لامْتَنَعَ أنْ يَأْتِيَ بِالخَيْراتِ لِأجْلِ الدُّنْيا ويَنْسى أمْرَ الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِأعْمالِ البِرِّ لِأجْلِ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، عَدِيمَ الطَّلَبِ لِلْآخِرَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإذا ماتَ فَإنَّهُ يَفُوتُهُ جَمِيعُ مَنافِعِ الدُّنْيا ويَبْقى عاجِزًا عَنْ وِجْدانِها، غَيْرَ قادِرٍ عَلى تَحْصِيلِها، ومَن أحَبَّ شَيْئًا ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَطْلُوبِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَشْتَعِلَ في قَلْبِهِ نِيرانُ الحَسَراتِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ كُلَّ مَن أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ لِطَلَبِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِدُ تِلْكَ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ إذا ماتَ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ إلّا النّارُ ويَصِيرُ ذَلِكَ العَمَلُ في الدّارِ الآخِرَةِ مُحْبَطًا باطِلًا عَدِيمَ الأثَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها،