< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾[البَقَرَةِ: ٢٤] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ كانَ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في زِيادَةِ الإخْلاصِ.
وإنْ قُلْنا: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ كانَ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في أصْلِ الإسْلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنازِعُونَ مُحَمَّدًا ﷺ في أكْثَرِ الأحْوالِ، فَكانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا مُبْطِلٌ ونَحْنُ مُحِقُّونَ، وإنَّما نُبالِغُ في مُنازَعَتِهِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، وكانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، بَلْ كانَ غَرَضُهم مَحْضَ الحَسَدِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ المُتابَعَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى.
ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾[الإسْراءِ: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾[الشُّورى: ٢٠] وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٥٩
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ:القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ والصِّدِّيقُ والزِّنْدِيقُ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها والِانْتِفاعَ بِخَيْراتِها وشَهَواتِها، إلّا أنَّ آخِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا العامِّ الخاصُّ وهو الكافِرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَقَطْ، أيْ تَكُونُ إرادَتُهُ مَقْصُورَةً عَلى حُبِّ الدُّنْيا وزِينَتِها ولَمْ يَكُنْ طالِبًا لِسَعاداتِ الآخِرَةِ، كانَ حُكْمُهُ كَذا وكَذا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهم مُنْكِرُو البَعْثِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ الآخِرَةَ ولا يَرْغَبُونَ إلّا في سَعاداتِ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ، وكَلامُهُ ظاهِرٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَطْلُبُونَ بِغَزْوِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ الغَنائِمَ مِن دُونِ أنْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ وثَوابِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وهو مَنقُولٌ عَنْ أنَسٍ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي: أنَّ المُرادَ مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِ الخَيْرِ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها.
وعَمَلُ الخَيْرِ قِسْمانِ: العِباداتُ، وإيصالُ المَنفَعَةِ إلى الحَيَوانِ، ويَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ الثّانِي البِرُّ وصِلَةُ الرَّحِمِ والصَّدَقَةُ وبِناءُ القَناطِرِ وتَسْوِيَةُ الطُّرُقِ والسَّعْيُ في دَفْعِ الشُّرُورِ وإجْراءُ الأنْهارِ. فَهَذِهِ الأشْياءُ إذا أتى بِها الكافِرُ لِأجْلِ الثَّناءِ في الدُّنْيا، فَإنَّ بِسَبَبِها تَصِلُ الخَيْراتُ والمَنافِعُ إلى المُحْتاجِينَ، فَكُلُّها تَكُونُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فَلا جَرَمَ هَذِهِ الأعْمالُ تَكُونُ طاعاتٍ، سَواءٌ صَدَرَتْ مِنَ الكافِرِ أوِ المُسْلِمِ. وأمّا العِباداتُ: فَهي إنَّما تَكُونُ طاعاتٍ بِنِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَإذا لَمْ يُؤْتَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وإنَّما أتى فاعِلُها بِها عَلى طَلَبِ زِينَةِ الدُّنْيا، وتَحْصِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ فِيها صارَ وُجُودُها كَعَدَمِها، فَلا تَكُونُ مِن بابِ الطّاعاتِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ المُرادُ مِنهُ الطّاعاتُ الَّتِي يَصِحُّ صُدُورُها مِنَ الكافِرِ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ تَجْرِيَ الآيَةُ عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، ونَقُولُ: إنَّهُ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ الَّذِي يَأْتِي بِالطّاعاتِ عَلى سَبِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الكافِرُ الَّذِي هَذا صِفَتُهُ، وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾لا يَلِيقُ المُؤْمِنَ