< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الفُؤادِ.

والثّانِي: أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ الأفْئِدَةِ بِذَلِكَ هو أنَّها مَواطِنُ الكُفْرِ والعَقائِدِ الخَبِيثَةِ والنِّيّاتِ الفاسِدَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النّارَ تَأْكُلُ أهْلَها حَتّى إذا اطَّلَعَتْ عَلى أفْئِدَتِهِمُ انْتَهَتْ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعِيدُ لَحْمَهم وعَظْمَهم مَرَّةً أُخْرى» .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ فَقالَ الحَسَنُ: ”مُؤْصَدَةٌ“ أيْ مُطْبَقَةٌ مِن أصَدْتُ البابَ وأوْصَدْتُهُ لُغَتانِ، ولَمْ يَقُلْ: مُطْبَقَةٌ لِأنَّ المُؤْصَدَةَ هي الأبْوابُ المُغْلَقَةُ، والإطْباقُ لا يُفِيدُ مَعْنى البابِ.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في العَذابِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (لَيُنْبَذَنَّ) يَقْتَضِي أنَّهُ مَوْضِعٌ لَهُ قَعْرٌ عَمِيقٌ جِدًّا كالبِئْرِ.

وثانِيها: أنَّهُ لَوْ شاءَ يَجْعَلُ ذَلِكَ المَوْضِعَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ لَكِنَّهُ بِالبابِ يُذَكِّرُهُمُ الخُرُوجَ، فَيَزِيدُ في حَسْرَتِهِمْ.

وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ يُفِيدُ أنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا كَوْنُهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وقَوْلُهُ مُؤْصَدَةٌ عَلَيْهِمْ لا يُفِيدُ هَذا المَعْنى بِالقَصْدِ الأوَّلِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”في عُمُدٍ“ بِضَمَّتَيْنِ و”عُمْدٍ“ بِسُكُونِ المِيمِ و”عَمَدٍ“ بِفَتْحَتَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: عُمُدٌ وعُمْدٌ وعَمَدٌ مِثْلُ الأدِيمِ والأُدْمِ والأدَمِ والإهابِ والأُهْبِ والأهَبِ، والعَقِيمِ والعُقْمِ والعَقَمِ، وقالَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ: العُمْدُ جَمْعُ عَمُودٍ عَلى غَيْرِ واحِدٍ: أمّا الجَمْعُ عَلى واحِدٍ فَهو العُمُدُ مِثْلُ زَبُورٍ وزُبُرٍ ورَسُولٍ ورُسُلٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ، وهو أصْلٌ لِلْبِناءِ، يُقالُ: عَمُودُ البَيْتِ لِلَّذِي يَقُومُ بِهِ البَيْتُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّها عَمَدٌ أُغْلِقَتْ بِها تِلْكَ الأبْوابُ كَنَحْوِ ما تُغْلَقُ بِهِ الدُّرُوبُ، و”في“ بِمَعْنى الباءِ أيْ أنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُدَّتْ عَلَيْها، ولَمْ يَقُلْ: بِعَمَدٍ لِأنَّها لِكَثْرَتِها صارَتْ كَأنَّ البابَ فِيها.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ مُوَثَّقِينَ: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ مِثْلِ المَقاطِرِ الَّتِي تُقْطَرُ فِيها اللُّصُوصُ، اللَّهُمَّ أجِرْنا مِنها يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ.

« الصفحة السابقة ص ٤ من ٤ الصفحة التالية »