< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah104
Al-Humaza (104)
The Traducer, makkah, 9 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
اعْتِقادِ البَخِيلِ.
ورابِعُها: أنَّ هَذا تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ وأنَّهُ هو الَّذِي يُخَلِّدُ صاحِبَهُ في الدُّنْيا بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ وفي الآخِرَةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (كَلّا) فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَظُنُّ أنَّ المالَ يُخَلِّدُهُ بَلِ العِلْمُ والصَّلاحُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ماتَ خُزّانُ المالِ وهم أحْياءٌ والعُلَماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ
والقَوْلُ الثّانِي مَعْناهُ: حَقًّا (لَيُنْبَذَنَّ) واللّامُ في: (لَيُنْبَذَنَّ) جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ مَعْنى القَسَمِ في ”كَلّا“ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ النَّبْذِ الدّالِّ عَلى الإهانَةِ، لِأنَّ الكافِرَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مِن أهْلِ الكَرامَةِ، وقُرِئَ ”لَيُنْبَذانِ“ أيْ هو ومالُهُ، و”لَيُنْبَذُنَّ“ بِضَمِّ الذّالِ أيْ هو وأنْصارُهُ، وأمّا: (الحُطَمَةِ) فَقالَ المُبَرِّدُ: إنَّها النّارُ الَّتِي تَحْطِمُ كُلَّ مَن وقَعَ فِيها ورَجُلٌ حُطَمَةٌ أيْ شَدِيدُ الأكْلِ يَأْتِي عَلى زادِ القَوْمِ، وأصْلُ الحَطْمِ في اللُّغَةِ الكَسْرُ، ويُقالُ: شَرُّ الرِّعاءِ الحُطَمَةُ، يُقالُ: راعٍ حُطَمَةٌ وحُطَمٌ بِغَيْرِ هاءٍ كَأنَّهُ يَحْطِمُ الماشِيَةَ أيْ يَكْسِرُها عِنْدَ سَوْقِها لِعُنْفِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: الحُطَمَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ وهي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي تَحْطِمُ العِظامَ وتَأْكُلُ اللُّحُومَ حَتّى تَهْجُمَ عَلى القُلُوبِ،
صفحة ٨٩
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِ المَلَكَ لَيَأْخُذُ الكافِرَ فَيَكْسِرُهُ عَلى صُلْبِهِ كَما تُوضَعُ الخَشَبَةُ عَلى الرُّكْبَةِ فَتُكْسَرُ، ثُمَّ يُرْمى بِهِ في النّارِ» .
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِ جَهَنَّمَ بِهَذا الِاسْمِ هَهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُها: الِاتِّحادُ في الصُّورَةِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ هُمَزَةً لُمَزَةً فَوَراءَكَ الحُطَمَةُ.
والثّانِي: أنَّ الهامِزَ بِكَسْرِ عَيْنٍ لَيَضَعُ قَدْرَهُ فَيُلْقِيهِ في الحَضِيضِ فَيَقُولُ تَعالى: وراءَكَ الحُطَمَةُ، وفي الحَطْمِ كَسْرٌ، فالحُطَمَةُ تَكْسِرُكَ وتُلْقِيكَ في حَضِيضِ جَهَنَّمَ لَكِنَّ الهُمَزَةَ لَيْسَ إلّا الكَسْرَ بِالحاجِبِ، أمّا الحُطَمَةُ فَإنَّها تَكْسِرُ كَسْرًا لا تُبْقِي ولا تَذَرُ.
الثّالِثُ: أنَّ الهَمّازَ اللَّمّازَ يَأْكُلُ لَحْمَ النّاسِ والحُطَمَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلنّارِ مِن حَيْثُ إنَّها تَأْكُلُ الجِلْدَ واللَّحْمَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ وصْفَيْنِ الهَمْزَ واللَّمْزَ، ثُمَّ قابَلَهُما بِاسْمٍ واحِدٍ وقالَ: خُذْ واحِدًا مِنِّي بِالِاثْنَيْنِ مِنكَ فَإنَّهُ يَفِي ويَكْفِي، فَكَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: كَيْفَ يَفِي الواحِدُ بِالِاثْنَيْنِ ؟ فَقالَ: إنَّما تَقُولُ هَذا لِأنَّكَ لا تَعْرِفُ هَذا الواحِدَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ﴾ فالإضافَةُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ هي نارٌ لا كَسائِرِ النِّيرانِ: (المُوقَدَةُ) الَّتِي لا تَخْمَدُ أبَدًا أوْ: (المُوقَدَةُ) بِأمْرِهِ أوْ بِقُدْرَتِهِ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: عَجَبًا مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ عَلى وجْهِ الأرْضِ والنّارُ تُسَعَّرُ مِن تَحْتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «أُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ سَنَةٍ حَتّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ ألْفَ سَنَةٍ حَتّى اسْوَدَّتْ فَهي الآنَ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ» .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: طَلَعَ الجَبَلَ واطَّلَعَ عَلَيْهِ إذا عَلاهُ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ النّارَ تَدْخُلُ في أجْوافِهِمْ حَتّى تَصِلَ إلى صُدُورِهِمْ وتَطَّلِعَ عَلى أفْئِدَتِهِمْ، ولا شَيْءَ في بَدَنِ الإنْسانِ ألْطَفُ مِنَ الفُؤادِ، ولا أشَدُّ تَألُّمًا مِنهُ بِأدْنى أذًى يُماسُّهُ، فَكَيْفَ إذا اطَّلَعَتْ نارُ جَهَنَّمَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ الفُؤادَ مَعَ اسْتِيلاءِ النّارِ عَلَيْهِ لا يَحْتَرِقُ إذْ لَوِ احْتَرَقَ لَماتَ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾[الأعلى: ١٣]ومَعْنى الِاطِّلاعِ هو أنَّ النّارَ تَنْزِلُ مِنَ اللَّحْمِ إلى