< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah102
At-Takaathur (102)
Competition, makkah, 8 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ومَسْكَنٍ.
والتّاسِعُ: وهو الأوْلى أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ النِّعَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الألِفَ واللّامَ يُفِيدانِ الِاسْتِغْراقَ.
وثانِيها: أنَّهُ لَيْسَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الباقِي لا سِيَّما وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ مِن مَنافِعِ هَذِهِ الدُّنْيا اشْتِغالُ العَبْدِ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ جَمِيعُ النِّعَمِ مِن فَلْقِ البَحْرِ والإنْجاءِ مِن فِرْعَوْنَ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى فَكَذا هَهُنا.
ورابِعُها: أنَّ النَّعِيمَ التّامَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ الَّذِي لَهُ أبْعاضٌ وأعْضاءٌ فَإذا أُشِيرَ إلى النَّعِيمِ فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ الكُلُّ، كَما أنَّ التِّرْياقَ اسْمٌ لِلْمَعْجُونِ المُرَكَّبِ مِنَ الأدْوِيَةِ الكَثِيرَةِ فَإذا ذُكِرَ التِّرْياقُ فَقَدْ دَخَلَ الكُلُّ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّ النِّعَمَ أقْسامٌ فَمِنها ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ، ومِنها مُتَّصِلَةٌ ومُنْفَصِلَةٌ، ومِنها دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا أقْسامَ السَّعاداتِ بِحَسَبِ الجِنْسِ في تَفْسِيرِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا تَعْدِيدُها بِحَسَبِ النَّوْعِ والشَّخْصِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾[إبراهيم: ٣٤] واسْتَعِنْ في مَعْرِفَةِ نِعَمِ اللَّهِ
صفحة ٧٩
عَلَيْكَ في صِحَّةِ بَدَنِكَ بِالأطِبّاءِ، ثُمَّ هم أشَدُّ الخَلْقِ غَفْلَةً، وفي مَعْرِفَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والكَواكِبِ بِالمُنَجِّمِينَ، وهم أشَدُّ النّاسِ جَهْلًا بِالصّانِعِ، وفي مَعْرِفَةِ سُلْطانِ اللَّهِ بِالمُلُوكِ، ثُمَّ هم أجْهَلُ الخَلْقِ، وأمّا الَّذِي يُرْوى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ الماءُ البارِدُ فَمَعْناهُ هَذا مِن جُمْلَتِهِ، ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أهْوَنُ مَوْجُودٍ وأعَزُّ مَفْقُودٍ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ السَّمّاكِ لِلرَّشِيدِ: أرَأيْتَ لَوِ احْتَجْتَ إلى شَرْبَةِ ماءٍ في فَلاةٍ أكُنْتَ تَبْذُلُ فِيهِ نِصْفَ المُلْكِ ؟ وإذا شَرِقْتَ بِها أكُنْتَ تَبْذُلُ نِصْفَ المُلْكِ ؟ وإنِ احْتَبَسَ بَوْلُكَ أكُنْتَ تَبْذُلُ كُلَّ المُلْكِ ؟ فَلا تَغْتَرَّ بِمُلْكٍ كانَتِ الشَّرْبَةُ الواحِدَةُ مِنَ الماءِ قِيمَتَهُ مَرَّتَيْنِ. أوْ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَطْلُبُونَ الماءَ أشَدَّ مِن طَلَبِهِمْ لِغَيْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾[الأعراف: ٥٠] أوْ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ في المُتْرَفِينَ، وهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالماءِ البارِدِ والظِّلِّ، والحَقُّ أنَّ السُّؤالَ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَنْ جَمِيعِ النَّعِيمِ سَواءٌ كانَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ [ أوْ لا ]، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إلى طاعَةِ اللَّهِ لا إلى مَعْصِيَتِهِ، فَيَكُونُ السُّؤالُ واقِعًا عَنِ الكُلِّ، ويُؤَكِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «لا تَزُولُ قَدَما العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أفْناهُ، وعَنْ شَبابِهِ فِيمَ أبْلاهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ» فَكُلُّ النَّعِيمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى داخِلٌ فِيما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا السُّؤالَ أيْنَ يَكُونُ ؟فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما يَكُونُ في مَوْقِفِ الحِسابِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَسْتَقِيمُ، لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ هَذا السُّؤالَ مُتَأخِّرٌ عَنْ مُشاهَدَةِ جَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ ومَوْقِفُ السُّؤالِ مُتَقَدِّمٌ عَلى مُشاهَدَةِ جَهَنَّمَ ؟ قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّكم تُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾[البلد: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[البلد: ١٧]
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم إذا دَخَلُوا النّارَ سُئِلُوا عَنِ النَّعِيمِ تَوْبِيخًا لَهم، كَما قالَ: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها﴾[الملك: ٨] وقالَ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾[المدثر: ٤٢]ولا شَكَّ أنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ سُئِلُوا عَنْهُ بَعْدَ