< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بُعْدِهِ عَنْ مُقابَلَةِ قُرْصِ الشَّمْسِ، فَلا جَرَمَ يَبْقى خالِصَ الظُّلْمَةِ، فَكَذَلِكَ تَتَفاوَتُ مَراتِبُ النُّفُوسِ في قَبُولِ هَذِهِ الأنْوارِ عَنْ أرْواحِ الأنْبِياءِ ولا تَزالُ تَتَزايَدُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النَّفْسِ الَّتِي كَمُلَتْ ظُلْمَتُها، وعَظُمَتْ شَقاوَتُها، وانْتَهَتْ في العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، وأبْعَدِ النِّهاياتِ، فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى وهو إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ وهي إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ مُكَمِّلَةً لِلنّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ، فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ، مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ

صفحة ٩٥

الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ لا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقْدِيمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ، ولَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ قالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الإشارَةُ إلى ما قَرَّرَهُ حُكَماءُ الإسْلامِ مِن أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ أفْضَلُ مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ وقَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ؛ انْتَهى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وتَقْدِيرُهُ: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: ”بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا“ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي يَجِبُ أنْ لا يَفْرَحَ الإنْسانُ إلّا بِذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يَفْرَحَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُحَقِّقِينَ قالُوا: لا مَعْنى لِهَذِهِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ إلّا دَفْعُ الآلامِ، والمَعْنى العَدَمِيُّ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُفْرَحَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّذّاتُ صِفاتٍ ثُبُوتِيَّةً، لَكِنَّها مَعْنَوِيَّةٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّضَرُّرَ بِآلامِها أقْوى مِنَ الِانْتِفاعِ بِلَذّاتِها ألا تَرى أنَّ أقْوى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ لَذَّةَ الوِقاعِ، ولا شَكَّ أنَّ الِالتِذاذَ بِها أقَلُّ مَرْتَبَةً مِنَ الِاسْتِضْرارِ بِألَمِ القُولَنْجِ وسائِرِ الآلامِ القَوِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ قَلِيلَةٌ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ إلّا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أعْنِي لَذَّةَ البَطْنِ والفَرْجِ.

وأمّا الآلامُ: فَإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ بَدَنِ الإنْسانِ مَعَهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الآلامِ، ولِكُلِّ نَوْعٍ مِنها خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِلنَّوْعِ الآخَرِ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ لا تَكُونُ خالِصَةً ألْبَتَّةَ بَلْ تَكُونُ مَمْزُوجَةً بِأنْواعٍ مِنَ المَكارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ في لَذَّةِ الأكْلِ والوِقاعِ إلّا إتْعابُ النَّفْسِ في مُقَدِّماتِها وفي لَواحِقِها لَكَفى.

الرّابِعُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ لا تَكُونُ باقِيَةً، فَكُلَّما كانَ الِالتِذاذُ بِها أكْثَرَ كانَتِ الحَسَراتُ الحاصِلَةُ مِن خَوْفِ فَواتِها أكْثَرَ وأشَدَّ، ولِذَلِكَ قالَ المَعَرِّيُّ:

إنَّ حُزْنًا في ساعَةِ المَوْتِ أضْعا فُ سُرُورٍ في ساعَةِ المِيلادِ

فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ الفَرَحَ الحاصِلَ عِنْدَ حُدُوثِ الوَلَدِ لا يُعادِلُ الحُزْنَ الحاصِلَ عِنْدَ مَوْتِهِ.

الخامِسُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ حالَ حُصُولِها تَكُونُ مُمْتَنِعَةَ البَقاءِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ الأكْلِ لا تَبْقى بِحالِها، بَلْ كُلَّما زالَ ألَمُ الجُوعِ زالَ الِالتِذاذُ بِالأكْلِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِبْقاءُ تِلْكَ اللَّذَّةِ.

السّادِسُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ التِذاذٌ بِأشْياءٍ خَسِيسَةٍ، فَإنَّها التِذاذٌ بِكَيْفِيّاتٍ حاصِلَةٍ في أجْسامٍ رَخْوَةٍ، سَرِيعَةِ الفَسادِ، مُسْتَعِدَّةٍ لِلتَّغَيُّرِ، فَأمّا اللَّذّاتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها بِالضِّدِّ في جَمِيعِ هَذِهِ الجِهاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ فَرَحٌ باطِلٌ، وأمّا الفَرَحُ الكامِلُ فَهو الفَرَحُ بِالرُّوحانِيّاتِ والجَواهِرِ المُقَدَّسَةِ وعالَمِ الجَلالِ ونُورِ الكِبْرِياءِ.

والبَحْثُ الثّانِي مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ إذا حَصَلَتِ اللَّذّاتُ