< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


السُّقْمُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ كالطَّبِيبِ الحاذِقِ، وهَذا القُرْآنُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أدْوِيَتِهِ الَّتِي بِتَرْكِيبِها تُعالَجُ القُلُوبُ المَرِيضَةُ. ثُمَّ إنَّ الطَّبِيبَ إذا وصَلَ إلى المَرِيضِ فَلَهُ مَعَهُ مَراتِبُ أرْبَعَةٌ:

المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَنْهاهُ عَنْ تَناوُلِ ما لا يَنْبَغِي ويَأْمُرَهُ بِالِاحْتِرازِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي بِسَبَبِها وقَعَ في ذَلِكَ المَرَضِ، وهَذا هو المَوْعِظَةُ فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْوَعْظِ إلّا الزَّجْرُ عَنْ كُلِّ ما يَبْعُدُ عَنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، والمَنعُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ القَلْبَ بِغَيْرِ اللَّهِ.

المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: الشِّفاءُ وهو أنْ يَسْقِيَهُ أدْوِيَةً تُزِيلُ عَنْ باطِنِهِ تِلْكَ الأخْلاطَ الفاسِدَةَ المُوجِبَةَ لِلْمَرَضِ، فَكَذَلِكَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذا مَنَعُوا الخَلْقَ عَنْ فِعْلِ المَحْظُوراتِ صارَتْ ظَواهِرُهم مُطَهَّرَةً عَنْ فِعْلِ ما لا

صفحة ٩٤

يَنْبَغِي، فَحِينَئِذٍ يَأْمُرُونَهم بِطَهارَةِ الباطِنِ، وذَلِكَ بِالمُجاهَدَةِ في إزالَةِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وتَحْصِيلِ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وأوائِلُها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾[النحل: ٩٠] وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ العَقائِدَ الفاسِدَةَ والأخْلاقَ الذَّمِيمَةَ جارِيَةٌ مَجْرى الأمْراضِ، فَإذا زالَتْ فَقَدْ حَصَلَ الشِّفاءُ لِلْقَلْبِ، وصارَ جَوْهَرُ الرُّوحِ مُطَهَّرًا عَنْ جَمِيعِ النُّقُوشِ المانِعَةِ عَنْ مُطالَعَةِ عالَمِ المَلَكُوتِ.

والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الهُدى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بَعْدَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ النّاطِقَةِ قابِلٌ لِلْجَلايا القُدْسِيَّةِ والأضْواءِ الإلَهِيَّةِ، وفَيْضُ الرَّحْمَةِ عامٌّ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها» “ وأيْضًا فالمَنعُ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ أوْ لِلْبُخْلِ، والكُلُّ في حَقِّ الحَقِّ مُمْتَنِعٌ، فالمَنعُ في حَقِّهِ مُمْتَنِعٌ، فَعَلى هَذا عَدَمُ حُصُولِ هَذِهِ الأضْواءِ الرُّوحانِيَّةِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ العَقائِدَ الفاسِدَةَ والأخْلاقَ الذَّمِيمَةَ طَبْعُها طَبْعُ الظُّلْمَةِ، وعِنْدَ قِيامِ الظُّلْمَةِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ النُّورِ، فَإذا زالَتْ تِلْكَ الأحْوالُ، فَقَدْ زالَ العائِقُ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقَعَ ضَوْءُ عالَمِ القُدْسِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ، ولا مَعْنى لِذَلِكَ الضَّوْءِ إلّا الهُدى، فَعِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ تَصِيرُ هَذِهِ النَّفْسُ بِحَيْثُ قَدِ انْطَبَعَ فِيها نَقْشُ المَلَكُوتِ وتَجَلّى لَها قُدْسُ اللّاهُوتِ، وأوَّلُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾[الفجر: ٢٧] وأوْسَطُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾[الذاريات: ٥٠] وآخِرُها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾[الأنعام: ٩١] ومَجْمُوعُها قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾[هود: ١٢٣] وسَيَجِيءُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآياتِ في مَواضِعِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وهُدًى﴾ .

وأمّا المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ البالِغَةُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِجِ الرَّبّانِيَّةِ بِحَيْثُ تَفِيضُ أنْوارُها عَلى أرْواحِ النّاقِصِينَ فَيْضَ النُّورِ مِن جَوْهَرِ الشَّمْسِ عَلى أجْرامِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ أرْواحَ المُعانِدِينَ لا تَسْتَضِيءُ بِأنْوارِ أرْواحِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ الجِسْمَ القابِلَ لِلنُّورِ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ هو الَّذِي يَكُونُ وجْهُهُ مُقابِلًا لِوَجْهِ الشَّمْسِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ المُقابَلَةُ لَمْ يَقَعْ ضَوْءُ الشَّمْسِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ رُوحٍ لَمّا لَمْ تَتَوَجَّهْ إلى خِدْمَةِ أرْواحِ الأنْبِياءِ المُطَهَّرِينَ، لَمْ تَنْتَفِعْ بِأنْوارِهِمْ، ولَمْ يَصِلْ إلَيْها آثارُ تِلْكَ الأرْواحِ المُطَهَّرَةِ المُقَدَّسَةِ، وكَما أنَّ الأجْسامَ الَّتِي لا تَكُونُ مُقابِلَةً لِقُرْصِ الشَّمْسِ مُخْتَلِفَةُ الدَّرَجاتِ والمَراتِبِ في البُعْدِ عَنْ هَذِهِ المُقابَلَةِ، ولا تَزالُ تَتَزايَدُ دَرَجاتُ هَذا البُعْدِ حَتّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ الجِسْمُ إلى غايَةِ