< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ولِصُعُوبَةِ هَذا الأمْرِ قالَ الكَلِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ اسْتِماعِ الكَلامِ القَدِيمِ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾[طه: ٢٥] وكُلُّ الخَلْقِ يَطْلُبُونَ الهِدايَةَ ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الضَّلالَةِ، مَعَ أنَّ الأكْثَرِينَ وقَعُوا في الضَّلالَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ والعِلْمِ والمَعْرِفَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الهِدايَةُ إمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، وإمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنْ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّها أشْرَفُ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ وأعْلى السَّعاداتِ الحَقِيقِيَّةِ، ودَلَّلْنا عَلى أنَّها لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا الأصْنامُ فَإنَّها جَماداتٌ لا تَأْثِيرَ لَها في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ولا في الإرْشادِ إلى الصِّدْقِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو المُوصِلُ إلى جَمِيعِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُرْشِدُ إلى كُلِّ الكَمالاتِ في النَّفْسِ والجَسَدِ، وأنَّ الأصْنامَ لا تَأْثِيرَ لَها في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِها جَهْلًا مَحْضًا وسَفَهًا صِرْفًا، فَهَذا حاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ هَدَيْتُ إلى الحَقِّ، وهَدَيْتُ لِلْحَقِّ بِمَعْنًى واحِدٍ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ .
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ سِتُّ قِراءاتٍ:الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ ”يَهَدِّي“ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ وأبِي حاتِمٍ؛ لِأنَّ أصْلَهُ يَهْتَدِي أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ ونُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ المُدْغَمَةِ إلى الهاءِ.
الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ساكِنَةَ الهاءِ مُشَدَّدَةَ الدّالِ؛ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وتُرِكَتِ الهاءُ عَلى حالِها، فَجَمَعَ في قِراءَتِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ كَما جَمَعُوا في ”يَخْصِّمُونَ“ قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: وهو غَلَطٌ عَلى نافِعٍ.
الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإشارَةِ إلى فَتْحَةِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ فَهو بَيْنَ الفَتْحِ والجَزْمِ، مُخْتَلَسَةٌ عَلى أصْلِ مَذْهَبِهِ اخْتِيارًا لِلتَّخْفِيفِ، وذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّهُ الصَّحِيحُ مِن قِراءَةِ نافِعٍ.
الرّابِعَةُ: قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فِرارًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والجَزْمُ يُحَرَّكُ بِالكَسْرِ.
الخامِسَةُ: قَرَأ حَمّادٌ ويَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ؛ أتْبَعَ الكَسْرَةَ لِلْكَسْرَةِ، وقِيلَ: هو لُغَةُ مَن قَرَأ ”نِسْتَعِينُ ونِعْبُدُ“ .
السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”مَن يَهْدِي“ ساكِنَةَ الهاءِ وبِتَخْفِيفِ الدّالِ عَلى مَعْنى يَهْتَدِي، والعَرَبُ تَقُولُ: يَهْدِي، بِمَعْنى يَهْتَدِي. يُقالُ: هَدَيْتُهُ فَهُدِيَ؛ أيِ اهْتَدى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الشُّرَكاءِ في هَذِهِ الآيَةِ الأصْنامُ وأنَّها جَماداتٌ لا تَقْبَلُ الهِدايَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لا يَلِيقُ بِها.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ هو الأصْنامَ. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ رُؤَساءَ الكُفْرِ والضَّلالَةِ والدُّعاةَ إلَيْها؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾[التوبة: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾[التوبة: ٣١] والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَدى الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِواسِطَةِ ما أظْهَرَ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ، وأمّا هَؤُلاءِ الدُّعاةُ والرُّؤَساءُ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَهْدُوا غَيْرَهم إلّا إذا هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِن قَبُولِ قَوْلِ هَؤُلاءِ الجُهّالِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا اتَّخَذُوها آلِهَةً، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْها كَما يُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْلَمُ