< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


المَقاماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى تَعالى بِذِكْرِها هَهُنا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى سَبِيلِ السُّؤالِ والِاسْتِفْهامِ.

والجَوابُ: أنَّ الكَلامَ إذا كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا ثُمَّ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المَسْئُولِ، كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ وأوْقَعَ في القَلْبِ.

السُّؤالُ الثّانِي: القَوْمُ كانُوا مُنْكِرِينَ الإعادَةَ والحَشْرَ والنَّشْرَ فَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ؟

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو وُجُوبُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُحْسِنِ وبَيْنَ المُسِيءِ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ لا يَتَمَكَّنُ العاقِلُ مِن دَفْعِها، فَلِأجْلِ كَمالِ قُوَّتِها وظُهُورِها تَمْسَكَ بِهِ سَواءٌ ساعَدَ الخَصْمُ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُساعِدْ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ، والإلْزامُ إنَّما يَحْصُلُ لَوِ اعْتَرَفَ الخَصْمُ بِهِ ؟

والجَوابُ: أنَّ الدَّلِيلَ لَمّا كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا، فَإذا أُورِدَ عَلى الخَصْمِ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ - ثُمَّ إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَقُولُ الأمْرُ كَذَلِكَ - كانَ هَذا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى حَيْثُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى إقْرارِ الخَصْمِ بِهِ، وأنَّهُ سَواءٌ أقَرَّ أوْ أنْكَرَ، فالأمْرُ مُتَقَرِّرٌ ظاهِرٌ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فالمُرادُ التَّعَجُّبُ مِنهم في الذَّهابِ عَنْ هَذا الأمْرِ الواضِحِ الَّذِي دَعاهُمُ الهَوى والتَّقْلِيدُ أوِ الشُّبْهَةُ الضَّعِيفَةُ إلى مُخالَفَتِهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِ الأوْثانِ آلِهَةً كَذِبٌ وإفْكٌ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَتِها مَعَ أنَّها لا تَسْتَحِقُّ هَذِهِ العِبادَةَ يُشْبِهُ الإفْكَ.

صفحة ٧٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُجَّةُ الثّالِثَةُ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِالخَلْقِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالهِدايَةِ ثانِيًا، عادَةٌ مُطَّرِدَةٌ في القُرْآنِ، فَحَكى تَعالى عَنِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾[الشعراء: ٧٨] وعَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾[طه: ٥٠] وأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾[الأعلى: ١ - ٣] وهو في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ شَرِيفٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ جَسَدٌ ولَهُ رُوحٌ، فالِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِأحْوالِ الجَسَدِ هو الخَلْقُ، والِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الرُّوحِ هو الهِدايَةُ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ الخَلْقِ في الآيَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أتْبَعَهُ بِدَلِيلِ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن خَلْقِ الجَسَدِ حُصُولُ الهِدايَةِ لِلرُّوحِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾[النحل: ٧٨] وهَذا كالتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الجَسَدَ، وإنَّما أعْطى الحَواسَّ لِتَكُونَ آلَةً في اكْتِسابِ المَعارِفِ والعُلُومِ، وأيْضًا فالأحْوالُ الجَسَدِيَّةُ خَسِيسَةٌ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى الِالتِذاذِ بِذَوْقِ شَيْءٍ مِنَ الطُّعُومِ أوْ لَمْسِ شَيْءٍ مِنَ الكَيْفِيّاتِ المَلْمُوسَةِ، أمّا الأحْوالُ الرُّوحانِيَّةُ والمَعارِفُ الإلَهِيَّةُ فَإنَّها كَمالاتٌ باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، مَصُونَةٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ، فَعَلِمْنا أنَّ الخَلْقَ تَبَعٌ لِلْهِدايَةِ، والمَقْصُودَ الأشْرَفَ الأعْلى حُصُولُ الهِدايَةِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العُقُولُ مُضْطَرِبَةٌ والحَقُّ صَعْبٌ، والأفْكارُ مُخْتَلِطَةٌ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الغَلَطِ إلّا الأقَلُّونَ، فَوَجَبَ أنَّ الهِدايَةَ وإدْراكَ الحَقِّ لا يَكُونُ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ،