< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


العامة لهذه القصة الخاصة، كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فالنهي العام ورد أولا، والمقصود اندراج هذا الخاص فيه كما تقول للمقترف جرما معينا: لا تفعل ما يلصق العار بك ولا تشاتم زيدا، وفائدة مثل هذا النظم:

النهي عن الشيء الواحد مرتين مندرجا في العموم ومفردا بالخصوص، وهو أولى من النهى عنه على الخصوص مرتين فان ذلك معدود في حين التكرار، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل، والله أعلم.]] على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن على: يقاتلون بفتح التاء. وقرئ: يقتلون صَفًّا صافين أنفسهم أو مصفوفين كَأَنَّهُمْ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل بُنْيانٌ رص بعضه إلى بعض ورصف. وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلا، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ حالان متداخلتان [[قال محمود: «قوله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ: حالان متداخلتان» قال أحمد: يريد أن معنى الأولى مشتمل على معنى الثانية، لأن التراص هيئة للاصطفاف، والله أعلم.]] .

وَإِذْ منصوب بإضمار اذكر. أو: وحين قال لهم ما قال كان كذا وكذا تُؤْذُونَنِي كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه، وجحود آياته، وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم رؤية الله جهرة، والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه وَقَدْ تَعْلَمُونَ في موضع الحال، أى: تؤذوننى عالمين علما يقينا [[قال محمود: «بين أنهم على عكس الصواب حيث قال: تؤذوننى عالمين ... الخ» قال أحمد: أهل العربية تقول: إن «قد» تصحب الماضي لتقريبه من الحال. ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة، وتشتمل المصاحبة للماضي أيضا على معنى التوقع، فلذلك قال سيبويه «قد فعل» جواب لما يفعل، وقال الخليل: هذا الخبر لقوم ينتظرونه، وأما مع المضارع فإنها تفيد التقليل مثل: ربما، كقولهم: إن الكذوب قد يصدق، فإذا كان معناها مع المضارع التقليل وقد دخلت في الآية على مضارع، فالوجه- والله أعلم- أن يكون هذا من الكلام الذي يقصدون به الافراط فيما ينعكس عنه، وتكون «قد» في هذا المعنى نظيرة «ربما» في قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ فإنها في هذا الموضع أبلغ من كم في التكثير، فلما أوردت «ربما» في التكثير على عكس معناها الأصلى في التقليل، فكذلك إيراد «قد» هاهنا لتكثير علمهم، أى: تحقيق تأكيده على عكس معناها الأصلى في تقليل الأصل، وعليه:

قد أترك القرن مصفرا أنامله

وإنما مدح نفسه بكثرة هذا الفعل منه عكس ديدنه الأصلى، ولا يقال: إن حملها في الآية على التكثير متعذر، لأن العلم معلوم التعلق لا يتكثر ولا يتقلل، لأنا نقول: يعبر عن تمكن الفعل وتحققه وتأكده وبلوغه الغاية في نوعه بما يعبر به عن التكثير، وهو تعبير صحيح.

ألا ترى أن قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا هو من هذا القبيل، فان المراد شدة ودهم لذلك وبلوغه أقصى منتهاه لا غير، والله الموفق.]] أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وقضية علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بى، لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله، علما بأن تعظيمه في تعظيم رسوله،