< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أحمد: كل ما ذكر دندنة حول امتناع النسخ قبل التمكن من الفعل، وتلك قاعدة المعتزلة. وأما أهل السنة فيثبتون جوازه، لأن التكليف ثابت قبل التمكن من الفعل، فجاز رفعه كالموت. وأيضا فكل نسخ كذلك، لأن القدرة على الفعل عندنا مقارنة لا متقدمة، ثم يثبتون وقوعه بهذه الآية. ووجه الدليل منها أن إبراهيم عليه السلام أمر بالذبح بدليل افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ونسخ قبل التمكن بدليل العدول إلى الفداء، فمن ثم تحوم الزمخشري على أنه فعل غاية وسعه من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه، وإنما امتنعت بأمر من الله تعالى، وغرضه بذلك أحد أمرين: إما أن يكون الأمر إنما توجه عليه بمقدمات الذبح وقد حصلت لا بنفس الذبح، أو توجه الأمر بنفس الذبح وتعاطيه، ولكن لم يتمكن. وكلا الأمرين لا يخلصه. أما قوله: أمر بمقدمات الذبح فباطل بقوله إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ

وقوله افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وأما قوله: لم يتمكن لأن الشفرة منعت بأمر من الله تعالى بعد تسليم الأمر بالذبح، فحاصله أنه لم يتمكن من الذبح المأمور به، فكان النسخ إذا قبل التمكن، وهو عين ما أنكره المعتزلة، ولما لم يكن في هذين الجوابين لهم خلاص: لجأ بعضهم إلى تسليم أنه أمر بالذبح، ودعوى أنه ذبح ولكنه كان يلتحم، وهو باطل لا ثبوت له. وسياق الآية يخل دعواه ويفل ثنياه.]] قلت. قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح: من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه، ولكن الله سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضى فيه، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم عليه السلام، ألا ترى أنه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا، بل يسمى مطيعا ومجتهدا، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل، ولا قبل أوان الفعل في شيء، كما يسبق إلى بعض الأوهام، حتى يشتغل بالكلام فيه. فإن قلت: الله تعالى هو المفتدى منه: لأنه الآمر بالذبح، فكيف يكون فاديا حتى قال وَفَدَيْناهُ؟ قلت: الفادي هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والله عز وجل وهب له الكبش ليفدى به وإنما قال وَفَدَيْناهُ إسنادا للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته. فإن قلت: فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح. فما معنى الفداء، والفداء إنما هو التخليص من الذبح ببدل؟ قلت: قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل من فرى الأوداج وانهار الدم، فوهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل، ولكن في نفس الكبش بدلا منه. فإن قلت: فأى فائدة في تحصل تلك الحقيقة، وقد استغنى عنها بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان؟ قلت: الفائدة في ذلك أن يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه. فإن قلت: لم قيل هاهنا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وفي غيرها من القصص: إنا كذلك؟ قلت: قد سبقه في هذه القصة: إنا كذلك، فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية.

نَبِيًّا حال مقدرة، كقوله تعالى فَادْخُلُوها خالِدِينَ. فإن قلت: فرق بين هذا وبين قوله فَادْخُلُوها خالِدِينَ وذلك أنّ المدخول موجود مع وجود الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت مقدرين الخلود فكان مستقيما، وليس كذلك المبشر به،