< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مكية، [إلا آية 6 فمدنية] وآياتها 54 [نزلت بعد لقمان] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

ما في السماوات والأرض كله نعمة من الله، وهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجله، ولما قال الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، كما تقول: احمد أخاك الذي كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه.

ولما قال وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب. فإن قلت:

ما الفرق بين الحمدين؟ قلت: أمّا الحمد في الدنيا فواجب، لأنه على نعمة متفضل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة وهي الثواب. وأمّا الحمد في الآخرة فليس بواجب [[قال محمود: «الحمد الأول واجب لأنه على نعمة متفضل بها، والثاني: ليس بواجب، لأنه على نعمة واجبة على المنعم» قال أحمد: والحق في الفرق بين الحمدين: أن الأول عبادة مكلف بها، والثاني غير مكلف به ولا متكلف، وإنما هو في النشأة الثانية كالجليات في النشأة الأولى، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» وإلا فالنعمة الأولى كالثانية بفضل من الله تعالى على عباده، لا عن استحقاق. والله الموفق.]] ، لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها [[قوله «نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها» مبنى على مذهب المعتزلة، أما أهل السنة فلا يوجبون على الله شيئا، ولا يجب الحمد في الآخرة، لأنها ليست دار تكليف. (ع)]] ، إنما هو تتمة سرور المؤمنين وتكملة اغتباطهم:

يلتذون به كما يلتذ من به العطاش [[قوله «كما يلتذ من به العطاش» في الصحاح «العطاش» : داء يصيب الإنسان: يشرب الماء فلا يروى. (ع)]] بالماء البارد وَهُوَ الْحَكِيمُ الذي أحكم أمور الدارين ودبرها بحكمته الْخَبِيرُ بكل كائن يكون. ثم ذكر مما يحيط به علما ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ من الغيث كقوله فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ومن الكنوز والدفائن والأموات، وجميع ما هي له كفات وَما يَخْرُجُ مِنْها من الشجر والنبات، وماء العيون، والغلة، والدواب، وغير ذلك وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة وأنواع البركات والمقادير، كما قال تعالى وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ وَما يَعْرُجُ فِيها من الملائكة وأعمال العباد وَهُوَ مع كثرة نعمه وسبوغ فضله الرَّحِيمُ الْغَفُورُ للمفرطين في أداء مواجب شكرها. وقرأ على بن أبى طالب رضى الله عنه: ننزّل، بالنون والتشديد.

قولهم لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ نفى للبعث وإنكار لمجيء الساعة. أو استبطاء لما قد وعدوه من قيامها على سبيل الهزء والسخرية، كقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ. أوجب ما بعد النفي ببلى على معنى: أن ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، ثم أمد التوكيد القسمي إمدادا بما أنبع المقسم به من الوصف بما وصف به، إلى قوله لِيَجْزِيَ لأنّ عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وشدّة ثباته واستقامته، لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة، كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ.

فإن قلت: هل للوصف الذي وصف به المقسم به وجه اختصاص بهذا المعنى؟ قلت: نعم وذلك أن قيام الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، وأوّلها مسارعة إلى القلب: إذا قيل عالم الغيب، فحين أقسم باسمه على إثبات قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة، ثم

« الصفحة السابقة ص ١ من ٢۰ الصفحة التالية »