< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سلسبيلا أي: تسمى من طيبها السلسبيل أي: توصف للناس كما تقول: الأعوجّي والأرحبيّ والمهريّ من الإبل، وكما تنسب الخيل إذا وصفت إلى الخيل المعروفة المنسوبة كذلك تنسب العين إلى أنها تسمى، لأن القرآن نزل على كلام العرب، قال: وأنشدني يونس:

صَفْرَاءُ مِنْ نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُها ... مِنْ طُولِ ما صَرَعَ الصُّيُودَ الصَّيِّبُ [[قوله: "أن يقال" من تمام قوله في السطر الثالث "ولكن الواجب-" خبر لكن.]]

فرفع الصَّيِّبُ لأنه لم يرد أن يسمى بالصَّيب، إنما الصَّيب من صفة الاسم والسهم، وقوله: "يسمى سهمها" أي يذكر سهمها. قال: وقال بعضهم: لا بل هو اسم العين، وهو معرفة، ولكنه لما كان رأس آية، وكان مفتوحا، زيدت فيه الألف، كما قال: ﴿كَانت قَوارِيرا﴾ . وقال بعض نحويِّي الكوفة: السلسبيل: نعت أراد به سلس في الحلق، فلذلك حَرِيّ أن تسمى بسلاستها.

وقال آخر منهم: ذكروا أن السلسبيل اسم للعين، وذكروا أنه صفة للماء لسلسه وعذوبته؛ قال: ونرى أنه لو كان اسما للعين لكان ترك الإجراء فيه أكثر، ولم نر أحدا ترك إجراءها وهو جائز في العربية، لأن العرب تجري ما لا يجرى في الشعر، كما قال متمم بن نويرة:

فَمَا وَجْدُ أظْآرٍ ثَلاثٍ رَوَائمٍ ... رأيْنَ مخَرًّا مِنْ حُوَارٍ ومَصْرَعا [[الأضداد لابن الأنباري: ١٦٣، والخزانة ٤: ٤٩٠، وقال: "لم أقف على تتمته وقائله، مع أنه مشهور، قلما خلا منه كتاب نحوي، والله أعلم".]]

فأجرى روائم، وهي مما لا يُجرَى.

والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلا﴾ صفة للعين، وصفت بالسلاسة في الحلق، وفي حال الجري، وانقيادها لأهل الجنة يصرّفونها حيث شاءوا، كما قال مجاهد وقتادة؛ وإنما عني بقوله ﴿تُسَمَّى﴾ : توصف.

وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لإجماع أهل التأويل على أن قوله: ﴿سَلْسَبِيلا﴾ صفة لا اسم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) ﴾

.

يقول تعالى ذكره: ويطوف على هؤلاء الأبرار ولدان، وهم الوصفاء، مخلَّدون.

اختلف أهل التأويل في معنى: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: أنهم لا يموتون.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: لا يموتون.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: عني بذلك ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ مُسَوّرون.

وقال آخرون: بل عني به أنهم مقرّطون. وقيل: عني به أنهم دائم شبابهم، لا يتغيرون عن تلك السنّ.

وذُكر عن العرب أنها تقول للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره: إنه لمخلَّد؛ كذلك إذا كبر وثبت أضراسه وأسنانه قيل: إنه لمخلد، يراد به أنه ثابت الحال، وهذا تصحيح لما قال قتادة من أن معناه: لا يموتون، لأنهم إذا ثبتوا على حال واحدة فلم يتغيروا بهرم ولا شيب ولا موت، فهم مخلَّدون. وقيل: إن معنى قوله: ﴿مُخَلَّدُوَن﴾ مُسَوّرون بلغة حِمْير؛ وينشد لبعض شعرائهم:

وَمُخَلَّدَاتٌ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الْكُثْبانِ [[لا تمانع: أي لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر.]]

* *

وقوله: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾

يقول تعالى ذكره: إذا رأيت يا محمد هؤلاء الولدان مجتمعين أو مفترقين، تحسبهم في حُسنهم، ونقاء بياض وجوههم، وكثرتهم، لؤلؤًا مبدّدا، أو مجتَمِعا مصبوبا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من