< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah072
Al-Jinn (72)
The Jinn, makkah, 28 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُمِيَ بِهَا. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ، وَإِنَّمَا زَادَتْ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْذَارًا بِحَالِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مُلِئَتْ أَيْ زِيدَ فِي حَرَسِهَا، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ:
فَانْقَضَّ كَالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ ... نَقْعٌ يَثُورُ تَخَالُهُ طُنُبَا
وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْجَاحِظُ هَذَا الْبَيْتَ وَقَالَ: كُلُّ شِعْرٍ رُوِيَ فِيهِ فَهُوَ مَصْنُوعٌ، وَأَنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْمَبْعَثِ. وَالْقَوْلُ بِالرَّمْيِ أَصَحُّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْجِنِّ، أَنَّهُ [[في ط: (وقد زيد). وفي ا، ح: (لقد زيد).]] زِيدَ فِي حَرَسِ السَّمَاءِ حَتَّى امْتَلَأَتْ مِنْهَا وَمِنْهُمْ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ، فَقَالَ: [مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ [؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ يَمُوتُ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ عَظِيمٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: [إِنَّهَا لَا تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِذَا قَضَى أَمْرًا فِي السَّمَاءِ سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ، حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّسْبِيحُ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ وَيَسْتَخْبِرَ أَهْلُ السَّمَاءِ حَمَلَةَ الْعَرْشِ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ وَيُخْبَرُ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْخَبَرُ إِلَى هَذِهِ، فَتَتَخَطَّفُ الْجِنُّ فَيُرْمَوْنَ فَمَا جَاءُوا بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ [. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ نَحْوَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي آخِرِهِ قِيلَ لِلزَّهْرِيِّ: أَكَانَ يُرْمَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قَالَ: غُلِّظَتْ وَشُدِّدَ أَمْرُهَا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ. وَنَحْوَهُ قَالَ الْقُتَبِيُّ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَانَ وَلَكِنِ اشْتَدَّتِ الْحِرَاسَةُ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَرِقُونَ وَيُرْمَوْنَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي سورة "الصافات" [[راجع ج ١٥ ص ٦٥.]] عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ [الصافات: ٩ - ٨] قَالَ الْحَافِظُ: فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَتَعَرَّضُ الْجِنُّ لِإِحْرَاقِ نَفْسِهَا بِسَبَبِ اسْتِمَاعِ خَبَرٍ، بَعْدَ أَنْ صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُمْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْسِيهِمْ ذَلِكَ حَتَّى تَعْظُمَ الْمِحْنَةُ، كَمَا يَنْسَى إِبْلِيسُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنَّهُ لَا يُسْلِمُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر: ٣٥] وَلَوْلَا هَذَا لَمَا تَحَقَّقَ التَّكْلِيفُ. وَالرَّصَدُ: قِيلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَيْ وَرَصَدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَالرَّصَدُ: الْحَافِظُ لِلشَّيْءِ وَالْجَمْعُ أَرْصَادٌ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا كَالْحَرَسِ، وَالْوَاحِدُ: رَاصِدٌ. وَقِيلَ: الرَّصَدُ هُوَ الشِّهَابُ، أَيْ شِهَابًا قَدْ أُرْصِدَ لَهُ، لِيُرْجَمَ بِهِ، فَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْخَبَطِ وَالنَّفَضِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَيْ هَذَا الْحَرَسُ الَّذِي حُرِسَتْ بِهِمُ السَّمَاءُ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً أَيْ خَيْرًا. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. قَالَ إِبْلِيسُ لَا نَدْرِي: هَلْ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْمَنْعِ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ عَذَابًا أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْجِنِّ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعُوا قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُ وَيَهْلِكُونَ بِتَكْذِيبِهِ كَمَا هَلَكَ مَنْ كَذَّبَ مِنَ الْأُمَمِ، أَمْ أَرَادَ أَنْ يُؤْمِنُوا فَيَهْتَدُوا، فَالشَّرُّ وَالرَّشَدُ عَلَى هَذَا الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ، وَعَلَى هَذَا كَانَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ،