< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يُدْعَوْنَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فيأبونه. وقال سعيد ابن جُبَيْرٍ: كَانُوا يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَا يُجِيبُونَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِي الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ. وَقِيلَ: أَيْ بِالتَّكْلِيفِ الْمُوَجَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الشَّرْعِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٤٨.]]. وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ قَدْ فُلِجَ وَكَانَ يُهَادَى [[أي يمشى بينهما معتمدا عليهما لضعفه وتمايله، من "تهادت المرأة في مشيتها": إذا تمايلت.]] بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ: يَا أَبَا يَزِيدَ، لَوْ صَلَّيْتَ فِي بَيْتِكَ لَكَانَتْ لَكَ رُخْصَةٌ. فَقَالَ: مَنْ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلْيُجِبْ وَلَوْ حَبْوًا. وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ طَارِقًا يُرِيدُ قَتْلَكَ فَتَغَيَّبْ. فَقَالَ: أَبِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَيَّ؟ فَقِيلَ لَهُ: اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ. فَقَالَ: أَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فلا أجيب!

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَرْنِي﴾ أَيْ دَعْنِي.

(وَمَنْ يُكَذِّبُ) مَنْ مَفْعُولٍ مَعَهُ أَوْ مَعْطُوفٍ عَلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ.

(بِهذَا الْحَدِيثِ) يَعْنِي الْقُرْآنَ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَيْ فَأَنَا أُجَازِيهِمْ وأنتقم منهم. ثم قال (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) مَعْنَاهُ سَنَأْخُذُهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وَنُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَمْ مُسْتَدْرَجٌ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَكَمْ مَفْتُونٌ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَمْ مَغْرُورٌ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: أَيْ كُلَّمَا أَحْدَثُوا خَطِيئَةً جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَةً وَأَنْسَيْنَاهُمُ الِاسْتِغْفَارَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَنَمْكُرُ بِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ نَأْخُذَهُمْ قَلِيلًا وَلَا نُبَاغِتَهُمْ. وَفِي حَدِيثٍ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ يَا رب كم أعصيك وَأَنْتَ لَا تُعَاقِبُنِي- قَالَ- فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ زَمَانِهِمْ أَنْ قُلْ لَهُ كَمْ مِنْ عُقُوبَةٍ لِي عَلَيْكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ. إِنَّ جُمُودَ عَيْنَيْكَ وَقَسَاوَةَ قَلْبِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنِّي وَعُقُوبَةٌ لَوْ عَقَلْتَ (. وَالِاسْتِدْرَاجُ: تَرْكُ الْمُعَاجَلَةِ. وَأَصْلُهُ النَّقْلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ كَالتَّدَرُّجِ. وَمِنْهُ قِيلَ دَرَجَةٌ، وَهِيَ مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ. وَاسْتَدْرَجَ فُلَانٌ فُلَانًا، أَيِ اسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ قَلِيلًا. وَيُقَالُ: دَرَجَهُ إِلَى كَذَا وَاسْتَدْرَجَهُ بِمَعْنًى، أَيْ أَدْنَاهُ مِنْهُ عَلَى التَّدْرِيجِ فَتَدَرَّجَ هُوَ.

(وَأُمْلِي لَهُمْ) أَيْ أُمْهِلُهُمْ وَأُطِيلُ لَهُمُ الْمُدَّةَ. وَالْمُلَاوَةُ: [[مثلث الميم.]] الْمُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ. وَأَمْلَى اللَّهُ لَهُ أَيْ أَطَالَ لَهُ. وَالْمَلَوَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. وَقِيلَ: وَأُمْلِي لَهُمْ أَيْ لَا أُعَاجِلُهُمْ بِالْمَوْتِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" بَيَانُ هَذَا [[راجع ٧ ص ٣٢٩]].

(إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) أَيْ إِنَّ عَذَابِي لَقَوِيٌّ شَدِيدٌ فَلَا يفوتني أحد.

عَادَ الْكَلَامُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [القلم: ٤١] أَيْ أَمْ تَلْتَمِسُ مِنْهُمْ ثَوَابًا عَلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ؟ فَهُمْ مِنْ غَرَامَةِ ذَلِكَ مُثْقَلُونَ لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ، أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كُلْفَةٌ، بَلْ يَسْتَوْلُونَ بِمُتَابَعَتِكَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَيَصِلُونَ إِلَى جنات النعيم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أَيْ عِلْمُ مَا غَابَ عَنْهُمْ.

(فَهُمْ يَكْتُبُونَ) وَقِيلَ: أَيَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ بِهَذَا الَّذِي يَقُولُونَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْغَيْبُ هُنَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مِمَّا فِيهِ يُخَاصِمُونَكَ بِهِ، وَيَكْتُبُونَ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ. وَقِيلَ: يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا يريدون.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أَيْ لِقَضَاءِ رَبِّكَ. وَالْحُكْمُ هُنَا الْقَضَاءُ. وَقِيلَ: فَاصْبِرْ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَاصْبِرْ لِنَصْرِ رَبِّكَ. قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ لَا تَعْجَلْ وَلَا تُغَاضِبْ فَلَا بُدَّ مِنْ نَصْرِكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

(وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ) يَعْنِي يُونُسَ