< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا [[راجع ج ٦ ص ٤١٠.]] عَنْهُ [الانعام: ٢٨]. وقيل: معنى وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي ولين شِئْنَا أَنْ يَنْصُرُوهُمْ زَيَّنَّا ذَلِكَ لَهُمْ. لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَأَنْتُمْ﴾ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (أَشَدُّ رَهْبَةً) أَيْ خَوْفًا وَخَشْيَةً (فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) يَعْنِي صُدُورَ بَنِي النَّضِيرِ. وَقِيلَ: فِي صُدُورِ الْمُنَافِقِينَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ، أَيْ يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ مِنْ رَبِّهِمْ ذَلِكَ الْخَوْفُ.

(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) أَيْ لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ (إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ) أَيْ بِالْحِيطَانِ وَالدُّورِ، يَظُنُّونَ أَنَّهَا تَمْنَعُهُمْ مِنْكُمْ.

(أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ) أَيْ مِنْ خَلْفِ حِيطَانٍ يَسْتَتِرُونَ بِهَا لِجُبْنِهِمْ وَرَهْبَتِهِمْ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ جُدُرٍ عَلَى الْجَمْعِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ وَذَلِكَ جَمْعٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو عَمْرٍو "جِدَارٍ" عَلَى التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ التَّوْحِيدَ يُؤَدِّي عَنِ الْجَمْعِ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ "جَدْرٍ" (بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِّ)، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْجِدَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مِنْ وَرَاءِ نَخِيلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ، يُقَالُ: أَجْدَرَ النَّخْلُ إِذَا طَلَعَتْ رُءُوسُهُ فِي أول الربيع. والجدر: نبت واحدته جدره. وقرى "جُدْرٌ" (بِضَمِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ) جَمْعُ الْجِدَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ فِي الْوَاحِدِ كَأَلِفِ كِتَابٍ، وَفِي الْجَمْعِ كَأَلِفِ ظِرَافٍ. وَمِثْلُهُ نَاقَةٌ هِجَانٌ وَنُوقٌ هِجَانٌ، لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي التَّثْنِيَةِ: هِجَانَانِ، فَصَارَ لَفْظُ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ مُشْتَبِهَيْنِ فِي اللَّفْظِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمَعْنَى، قَالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يَعْنِي عَدَاوَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أَيْ بِالْكَلَامِ وَالْوَعِيدِ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ قُلُوبِهِمْ حَتَّى لَا يَتَّفِقُوا عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أَيْ إِذَا لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الشِّدَّةِ وَالْبَأْسِ، وَلَكِنْ إِذَا لَقُوُا الْعَدُوَّ انْهَزَمُوا. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى يَعْنِي الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ. الثَّوْرِيُّ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً أَيْ مُجْتَمَعِينَ عَلَى أَمْرٍ وَرَأْيٍ. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى مُتَفَرِّقَةٌ. فَأَهْلٌ الْبَاطِلُ مُخْتَلِفَةٌ آرَاؤُهُمْ، مُخْتَلِفَةٌ شَهَادَتُهُمْ، مُخْتَلِفَةٌ أَهْوَاؤُهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي عَدَاوَةِ أَهْلِ الْحَقِّ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: أَرَادَ أَنَّ دِينَ الْمُنَافِقِينَ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْيَهُودِ، وَهَذَا لِيُقَوِّيَ أَنْفُسَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

إِلَى اللَّهِ أَشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ الْعَصَا ... هِيَ الْيَوْمَ شَتَّى وَهِيَ أَمَسُّ جُمَّعُ

وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ" يَعْنِي أَشَدَّ تَشْتِيتًا، أَيْ أَشَدُّ اخْتِلَافًا.

(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) أَيْ ذَلِكَ التَّشْتِيتُ وَالْكُفْرُ بِأَنَّهُمْ لَا عَقْلَ لَهُمْ يعقلون به أمر الله.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِهِ قَيْنُقَاعَ، أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ قَبْلَ بَنِي النَّضِيرِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ، أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ قَبْلَ قُرَيْظَةَ. مُجَاهِدٌ: يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ انْتَقَمَ مِنْهُ عَلَى كُفْرِهِ قبل بني الضير مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ. وَمَعْنَى وَبالَ جَزَاءُ كُفْرِهِمْ. وَمَنْ قَالَ: هُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، جَعَلَ وَبالَ أَمْرِهِمْ نُزُولَهُمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ. وَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ بَنُو النَّضِيرِ قَالَ: وَبالَ أَمْرِهِمْ الْجَلَاءُ وَالنَّفْيُ. وَكَانَ بَيْنَ النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ سَنَتَانِ. وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ: قَرِيباً وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أحد. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [[كلمة أَلِيمٌ ساقطة من هـ.]] في الآخرة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ﴾