< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وَاشْرَبُوا هَنِئْتُمْ (هَنِيئاً) فَهُوَ صِفَةٌ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: (هَنِيئاً) أَيْ حَلَالًا. وَقِيلَ: لَا أَذَى فِيهِ وَلَا غَائِلَةَ. وَقِيلَ: (هَنِيئاً) أَيْ لَا تَمُوتُونَ، فَإِنَّ مَا لَا يَبْقَى أَوْ لَا يَبْقَى الإنسان معه منغص غير هنئ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ﴾ سُرُرٌ جَمْعُ سَرِيرٍ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: مُتَّكِئِينَ عَلَى نَمَارِقَ سُرُرٍ.

(مَصْفُوفَةٍ) قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَيْ مَوْصُولَةٌ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى تَصِيرَ صَفًّا. وَفِي الْأَخْبَارِ أَنَّهَا تُصَفُّ فِي السَّمَاءِ بِطُولِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا تَوَاضَعَتْ لَهُ، فَإِذَا جَلَسَ عَلَيْهَا عَادَتْ إِلَى حَالِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ سُرُرٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَالسَّرِيرُ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَأَيْلَةَ.

(وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ. قَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ زَوَّجْتُهُ امْرَأَةً وَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ. قَالَ: وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ) [[راجع ج ١٥ ص (١٥٢)]] أَيْ وَقُرَنَاءَهُمْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ لُغَةٌ فِي أَزْدِ شَنُوءَةَ. وَقَدْ مضى القول في معنى الحور العين [[راجع ج ١٦ ص ١٥٢]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ قَرَأَ الْعَامَّةُ (وَاتَّبَعَتْهُمْ) بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَتَشْدِيدِ التاء وفتح العين وإسكان التاء. وقرا عَمْرٍو (وَأَتْبَعْنَاهُمْ) بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ وَنُونٍ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ: (أَلْحَقْنا بِهِمْ)، لِيَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: (ذُرِّيَّتُهُمْ) الْأُولَى فَقَرَأَهَا بِالْجَمْعِ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَرَوَاهَا عَنْ نَافِعٍ إِلَّا أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَسَرَ التَّاءَ عَلَى الْمَفْعُولِ وَضَمَّ بَاقِيهِمْ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ (ذُرِّيَّتُهُمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ وَضَمِّ التَّاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ نَافِعٍ. فَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَرَأَهَا نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى الْجَمْعِ. الْبَاقُونَ (ذُرِّيَّتَهُمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ وَفَتْحِ التَّاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ: الْأُولَى أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا النَّحَّاسُ فِي (النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) لَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ) ثُمَّ قَرَأَ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ) الْآيَةَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَصَارَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُ هَذَا إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا يَفْعَلُهُ وَبِمَعْنَى أَنَّهُ أَنْزَلَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ. الزَّمَخْشَرِيُّ: فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهُمْ أَنْوَاعَ السُّرُورِ بِسَعَادَتِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَبِمُزَاوَجَةِ الْحُورِ الْعِينِ، وَبِمُؤَانَسَةِ الْإِخْوَانِ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِاجْتِمَاعِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ بِهِمْ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُلْحِقُ بِالْمُؤْمِنِ ذُرِّيَّتَهُ الصِّغَارَ الَّذِينَ لَمْ يبلغوا الايمان، قاله الْمَهْدَوِيُّ. وَالذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، فَإِنْ جعلت الذرية ها هنا لِلصِّغَارِ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِإِيمانٍ﴾فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِينَ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ (بِإِيمانٍ) مِنَ الْآبَاءِ. وَإِنْ جُعِلَتِ الذُّرِّيَّةُ لِلْكِبَارِ كَانَ قَوْلُهُ: (بِإِيمانٍ) حَالًا مِنَ الْفَاعِلِينَ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَالذُّرِّيَّةُ التَّابِعُونَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِنْ كَانَ الْآبَاءُ أَرْفَعَ دَرَجَةً رَفَعَ اللَّهُ الْأَبْنَاءَ إِلَى الْآبَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْنَاءُ أَرْفَعَ دَرَجَةً رَفَعَ اللَّهُ الْآبَاءَ إِلَى الْأَبْنَاءِ، فَالْآبَاءُ دَاخِلُونَ فِي اسْمِ الذُّرِّيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ). وَعَنِ