< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah044
Ad-Dukhaan (44)
The Smoke, makkah, 59 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَلَى مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُشْرِكِينَ من أهل مكة، وإن كان من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَهُوَ عَامٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. "هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ" أَيْ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: "هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ". فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الدُّخَانَ قَدْ مَضَى فَقَوْلُهُ: "هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ" حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ، وَمَنْ جَعَلَهُ مُسْتَقْبَلًا فَهُوَ حِكَايَةُ حَالٍ آتِيَةٍ. وَقِيلَ: "هَذَا" بِمَعْنَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: أَيْ يَقُولُ النَّاسُ لِذَلِكَ الدُّخَانِ: "هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ". وَقِيلَ: هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ دُنُوِّ الْأَمْرِ، كما تقول: هذا الشتاء فأعد له.
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ فِ "إِنَّا مُؤْمِنُونَ"، أَيْ نُؤْمِنُ بِكَ إِنْ كَشَفْتَهُ عَنَّا. قِيلَ: إِنَّ قُرَيْشًا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَقَالُوا: إِنْ كَشَفَ اللَّهُ عَنَّا هَذَا الْعَذَابَ أَسْلَمْنَا، ثُمَّ نَقَضُوا هَذَا الْقَوْلَ. قَالَ قَتَادَةُ: "الْعَذابَ" هُنَا الدُّخَانُ. وَقِيلَ: الْجُوعُ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. قُلْتُ: وَلَا تَنَاقُضَ، فَإِنَّ الدُّخَانَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِنَ الْجُوعِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ يُقَالُ لِلْجُوعِ وَالْقَحْطِ: الدُّخَانُ، لِيُبْسِ الْأَرْضِ فِي سَنَةِ الْجَدْبِ وَارْتِفَاعِ الْغُبَارِ بِسَبَبِ قِلَّةِ الْأَمْطَارِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِسَنَةِ الْجَدْبِ: الْغَبْرَاءُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَذَابَ هُنَا الثَّلْجُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ أَوْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَمْ تَكُنْ مَكَّةُ مِنْ بِلَادِ الثلج، غير أنه مقول فحكيناه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى ﴾ أَيْ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُمُ التَّذَكُّرُ وَالِاتِّعَاظُ عِنْدَ حُلُولِ الْعَذَابِ. "وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ" يُبَيِّنُ لَهُمُ الْحَقَّ، وَالذِّكْرَى وَالذِّكْرُ وَاحِدٌ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ. "ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ" أَيْ أَعْرَضُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَتَى يَتَّعِظُونَ وَاللَّهُ أَبْعَدَهُمْ مِنَ الِاتِّعَاظِ وَالتَّذَكُّرِ بَعْدَ تَوَلِّيهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: أَيْ أَنَّى يَنْفَعُهُمْ قَوْلُهُمْ: "إِنَّا مُؤْمِنُونَ" بَعْدَ ظُهُورِ الْعَذَابِ غَدًا أَوْ بَعْدَ ظُهُورِ أَعْلَامِ السَّاعَةِ، فَقَدْ صَارَتِ الْمَعَارِفُ ضَرُورِيَّةً. وَهَذَا إِذَا جَعَلْتَ الدُّخَانَ آيَةً مُرْتَقِبَةً. "وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ" أَيْ عَلَّمَهُ بَشَرٌ أَوْ عَلَّمَهُ الْكَهَنَةُ وَالشَّيَاطِينُ، ثُمَّ هُوَ مَجْنُونٌ وليس برسول.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا﴾ أَيْ وَقْتًا قَلِيلًا، وَعَدَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابَ قَلِيلًا، أَيْ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ لِيَعْلَمَ أَنَّهُمْ لَا يَفُونَ بِقَوْلِهِمْ، بَلْ يَعُودُونَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ كَشْفِهِ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. فَلَمَّا كَشَفَ ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى لهم الله عليه وسلم عَادُوا إِلَى تَكْذِيبِهِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الدُّخَانَ مُنْتَظِرٌ قَالَ: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا يَكُونُ مِنَ الْفُرْجَةِ بَيْنَ آيَةٍ وَآيَةٍ مِنْ آيَاتِ قِيَامِ السَّاعَةِ. ثُمَّ مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ يَسْتَمِرُّ عَلَى كُفْرِهِ. وَمَنْ قَالَ هَذَا فِي الْقِيَامَةِ قَالَ: أَيْ لَوْ كَشَفْنَا عَنْكُمُ الْعَذَابَ لَعُدْتُمْ إِلَى الْكُفْرِ. وَقِيلَ: مَعْنَى "إِنَّكُمْ عائِدُونَ" إِلَيْنَا، أَيْ مَبْعُوثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى "إِنَّكُمْ عائِدُونَ" إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ إِنْ لَمْ تؤمنوا.
يَوْمَ "مَحْمُولٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ" مُنْتَقِمُونَ"، أَيْ نَنْتَقِمُ مِنْهُمْ يَوْمَ نَبْطِشُ. وَأَبْعَدَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ أَنَّ مَا بَعْدَ "إِنَّ" لَا يُفَسِّرُ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَامِلَ فِيهِ "مُنْتَقِمُونَ". وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا بَعْدَ "إِنَّ" لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. وَلَا يَحْسُنُ تعلقه بقوله: "عائِدُونَ" ولا بقوله: "إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ"، إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ نَصْبُهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: ذَكِّرْهُمْ أَوِ اذْكُرْ. ويجوز أن يكون المعنى إنكم عَائِدُونَ، فَإِذَا عُدْتُمْ أَنْتَقِمُ مِنْكُمْ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى. وَلِهَذَا وَصَلَ هَذَا بِقِصَّةِ فِرْعَوْنَ، فَإِنَّهُمْ وَعَدُوا مُوسَى الْإِيمَانَ إِنْ كَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا حَتَّى غَرِقُوا. وَقِيلَ: "إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ" كَلَامٌ تَامٌّ. ثُمَّ ابْتَدَأَ "يَوْمَ نَبْطِشُ