< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، قَالَ مَالِكٌ. رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَسَمَّى بِيَاسِينَ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَنْبَغِي لِقَوْلِ اللَّهِ: "يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ" يَقُولُ هَذَا اسْمِي يس. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا كَلَامٌ بَدِيعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَمَّى بِاسْمِ الرَّبِّ إِذَا كَانَ فِيهِ مَعْنًى مِنْهُ، كَقَوْلِهِ: عَالِمٌ وَقَادِرٌ وَمُرِيدٌ وَمُتَكَلِّمٌ. وَإِنَّمَا منع مالك من بالتسمية "يسئن"، لِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ، فَرُبَّمَا كَانَ مَعْنَاهُ يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّبُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] [[راجع ج ١١ ص ١٦٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. وج ١ ص ٦٧ وما بعدها طبعه ثانية.]] قُلْنَا: ذَلِكَ مَكْتُوبٌ بِهِجَاءٍ فَتَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَجًّى هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: افْتَتَحَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِالْيَاءِ وَالسِّينِ وَفِيهِمَا مَجْمَعُ الْخَيْرِ: وَدَلَّ الْمُفْتَتَحُ عَلَى أَنَّهُ قَلْبٌ، وَالْقَلْبُ أَمِيرٌ عَلَى الْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ "يَس" أَمِيرٌ عَلَى سَائِرِ السُّوَرِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ بِلُغَةِ طَيٍّ. الْحَسَنُ: بِلُغَةِ كَلْبٍ. الْكَلْبِيُّ: هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ فَصَارَ مِنْ لُغَتِهِمْ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي [طه] وَفِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ مُسْتَوْفًى. وَقَدْ سَرَدَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى "يس" فَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ" ذَكَرَ أَنَّ مِنْهَا طَه وَيس اسْمَانِ لَهُ.

قُلْتُ: وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْمَانِي فِي الْقُرْآنِ سَبْعَةَ أَسْمَاءٍ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَطَه وَيس وَالْمُزَّمِّلُ وَالْمُدَّثِّرُ وَعَبْدُ اللَّهِ" قَالَهُ الْقَاضِي. وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُ أَرَادَ يَا سَيِّدُ، مُخَاطَبَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يس" يَا إِنْسَانُ أَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ. وَقَالَ: هُوَ قَسَمٌ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قِيلَ مَعْنَاهُ يَا مُحَمَّدُ وَقِيلَ يَا رَجُلُ وَقِيلَ يَا إِنْسَانُ. وَعَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: "يس" يَا مُحَمَّدُ. وَعَنْ كَعْبٍ: "يس" قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ قَالَ [[زيادة يقتضيها المقام، ويدل عليها ما ورد في "الدر المنثور" السيوطي عن كعب.]] يَا مُحَمَّدُ: "إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" ثُمَّ قَالَ: "وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ". فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ، وَصَحَّ فِيهِ أَنَّهُ قَسَمٌ كَانَ فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا تقدم، مو كد فِيهِ الْقَسَمَ عَطْفُ الْقَسَمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النِّدَاءِ فَقَدْ جَاءَ قَسَمٌ آخَرُ بَعْدَهُ لِتَحْقِيقِ رِسَالَتِهِ وَالشَّهَادَةِ بِهِدَايَتِهِ. أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمِهِ وَكِتَابِهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ بِوَحْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَعَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مِنْ إِيمَانِهِ، أَيْ طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا عُدُولَ عَنِ الْحَقِّ. قَالَ النَّقَّاشُ: لَمْ يُقْسِمِ اللَّهُ تَعَالَى لِأَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِالرِّسَالَةِ فِي كِتَابِهِ إِلَّا لَهُ، وَفِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَمْجِيدِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَا سَيِّدُ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" انْتَهَى كَلَامُهُ. وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ لَسْتَ مُرْسَلًا وَمَا أَرْسَلَكَ اللَّهُ إِلَيْنَا، فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِالْقُرْآنِ الْمُحْكَمِ أَنَّ مُحَمَّدًا مِنَ الْمُرْسَلِينَ. "والْحَكِيمِ" الْمُحْكَمُ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لِبُطْلَانٍ وَتَنَاقُضٍ، كَمَا قَالَ: "أُحْكِمَتْ آياتُهُ" وَكَذَلِكَ أُحْكِمَ فِي نَظْمِهِ وَمَعَانِيهِ فَلَا يَلْحَقُهُ خَلَلٌ. وَقَدْ يَكُونُ "الْحَكِيمِ" فِي حق