< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الْمَكَانِ، فَلَمَّا رَأَوُا الشَّيَاطِينَ رَأَوْا مَنْظَرًا هَائِلًا فَظِيعًا فَفَزِعُوا وَخَافُوا، فَقَالَتْ لَهُمُ الشَّيَاطِينُ: جُوزُوا لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى كُرْدُوسٍ كُرْدُوسٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ وَالْوُحُوشِ حَتَّى وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمَانَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ سُلَيْمَانُ نَظَرًا حَسَنًا بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَكَانَتْ قَالَتْ لِرَسُولِهَا: إِنْ نَظَرَ إِلَيْكَ نَظَرَ مُغْضَبٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَلِكٌ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَنْظَرُهُ فَأَنَا أَعَزُّ مِنْهُ، وَإِنْ رَأَيْتَ الرَّجُلَ بَشًّا لطيفا فاعلم أنه نبى مرسل فتفهم قول وَرُدَّ الْجَوَابَ، فَأَخْبَرَ الْهُدْهُدُ سُلَيْمَانَ بِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَكَانَتْ عَمَدَتْ إِلَى حُقَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَتْ فِيهَا دُرَّةً يَتِيمَةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ، وَخَرَزَةً مُعْوَجَّةَ الثَّقْبِ، وَكَتَبَتْ كِتَابًا مَعَ رَسُولِهَا تَقُولُ فِيهِ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَمَيِّزْ بَيْنَ الْوُصَفَاءِ وَالْوَصَائِفِ، وَأَخْبِرْ بِمَا فِي الْحُقَّةِ، وَعَرِّفْنِي رَأْسَ الْعَصَا مِنْ أَسْفَلِهَا، وَاثْقُبِ الدُّرَّةَ ثَقْبًا مُسْتَوِيًا، وَأَدْخِلْ خَيْطَ الْخَرَزَةِ، وَامْلَأِ الْقَدَحَ مَاءً مِنْ نَدًى لَيْسَ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا مِنَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمَانَ أَعْطَاهُ كِتَابَ الْمَلِكَةِ فَنَظَرَ فِيهِ، وَقَالَ: أَيْنَ الْحُقَّةُ؟ فَأَتَى بِهَا فَحَرَّكَهَا، فَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِمَا فِيهَا، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ سُلَيْمَانُ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: صَدَقْتَ، فَاثْقُبِ الدُّرَّةَ، وَأَدْخِلِ الْخَيْطَ فِي الْخَرَزَةِ، فَسَأَلَ سُلَيْمَانُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ عَنْ ثَقْبِهَا فَعَجَزُوا، فَقَالَ لِلشَّيَاطِينِ: مَا الرَّأْيُ فِيهَا؟ فَقَالُوا: تُرْسِلُ إِلَى الْأَرَضَةِ، فَجَاءَتِ الْأَرَضَةُ فَأَخَذَتْ شَعْرَةً فِي فِيهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ: مَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: تُصَيِّرُ رِزْقِي فِي الشَّجَرَةِ، فَقَالَ لَهَا: لَكِ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: مَنْ لِهَذِهِ الْخَرَزَةِ يُسْلِكُهَا الْخَيْطَ

؟ فَقَالَتْ دُودَةً بَيْضَاءَ: أَنَا لَهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَتِ الدُّودَةُ الْخَيْطَ فِي فِيهَا وَدَخَلَتِ الثَّقْبَ حَتَّى خَرَجَتْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ: مَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ تَجْعَلُ رِزْقِي فِي الْفَوَاكِهِ، قَالَ: ذَلِكَ لَكَ. ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَ الْغِلْمَانِ [وَالْجَوَارِي [[الزيادة من "قصص الأنبياء" للثعلبي.]]]. قَالَ السُّدِّيُّ: أَمَرَهُمْ بِالْوُضُوءِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَحْدُرُ الْمَاءَ عَلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ حَدْرًا، وَجَعَلَ الْجَوَارِيَ يَصْبُبْنَ مِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى الْيَدِ الْيُمْنَى، وَمِنَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَمَيَّزَ بَيْنَهُمْ بِهَذَا. وَقِيلَ: كَانَتِ الْجَارِيَةُ تَأْخُذُ الْمَاءَ مِنَ الْآنِيَةِ بِإِحْدَى يَدَيْهَا، ثُمَّ تَحْمِلُهُ عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ تَضْرِبُ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ، وَالْغُلَامُ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ مِنَ الْآنِيَّةِ يَضْرِبُ بِهِ فِي الْوَجْهِ، وَالْجَارِيَةُ تَصُبُّ عَلَى بَطْنِ سَاعِدِهَا، وَالْغُلَامُ عَلَى ظَهْرِ السَّاعِدِ، وَالْجَارِيَةُ تَصُبُّ الْمَاءَ صَبًّا، وَالْغُلَامُ يَحْدُرُ عَلَى يَدَيْهِ، فَمَيَّزَ بَيْنَهُمْ بِهَذَا. وَرَوَى يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَرْسَلَتْ بِلْقِيسُ بِمِائَتَيْ وَصِيفَةٍ وَوَصِيفٍ، وَقَالَتْ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيَعْلَمُ الذُّكُورَ مِنَ الْإِنَاثِ، فَأَمَرَهُمْ فَتَوَضَّئُوا، فَمَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمْ فَبَدَأَ بِمِرْفَقِهِ قَبْلَ كَفِّهِ قَالَ هُوَ مِنَ الْإِنَاثِ، وَمَنْ بَدَأَ بِكَفِّهِ قَبْلَ مِرْفَقِهِ قَالَ هُوَ مِنَ الذُّكُورِ، ثُمَّ أَرْسَلَ الْعَصَا إِلَى الْهَوَاءِ فَقَالَ: أَيُّ الرَّأْسَيْنِ سَبَقَ إِلَى الْأَرْضِ فَهُوَ أَصْلُهَا، وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ حَتَّى عَرِقَتْ وَمَلَأَ الْقَدَحَ مِنْ عَرَقِهَا، ثُمَّ رَدَّ سُلَيْمَانُ الْهَدِيَّةَ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا صَرَفَ الْهَدِيَّةَ إِلَيْهَا وَأَخْبَرَهَا رَسُولُهَا بِمَا شَاهَدَ، قَالَتْ لِقَوْمِهَا: هَذَا أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ. الثَّانِيَةُ- كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ الهدية ويثبت عَلَيْهَا وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَكَذَلِكَ كَانَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَإِنَّمَا جَعَلَتْ بِلْقِيسُ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ أَوْ رَدَّهَا عَلَامَةً عَلَى مَا فِي نَفْسِهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ سُلَيْمَانَ مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا، لِأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي كِتَابِهِ: "أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" وَهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ فِدْيَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَدِيَّةٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ عَنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ بِسَبِيلٍ، وَإِنَّمَا هِيَ رِشْوَةٌ