< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah016
An-Nahl (16)
The Bee, makkah, 128 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فِي صَوْتِهَا فِي الْأَجْسَامِ مِنْ أَيْنَ تَهُبُّ، فَيَتَجَنَّبُ اسْتِقْبَالَهَا لِئَلَّا تَرُدَّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.
(وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أَيْ وَلِتَرْكَبُوهُ لِلتِّجَارَةِ
وَطَلَبِ الرِّبْحِ.
(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تَقَدَّمَ جَمِيعُ هذا في "البقرة" والحمد لله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ أَيْ جِبَالًا ثَابِتَةً. رَسَا يَرْسُو إِذَا ثَبُتَ وَأَقَامَ. قَالَ:
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ [[البيت لعنترة العبسي. يقول: حبست نفسا عارفة، أي صابرة. وقبله:
وعلمت أن منيتي إن تأتني ... لا ينجني منها الفرار الاسرع]]
(أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) أَيْ لِئَلَّا تَمِيدَ، عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ. وَكَرَاهِيَةَ أَنْ تَمِيدَ، عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ. وَالْمَيْدُ: الِاضْطِرَابُ يَمِينًا وَشِمَالًا، مَادَ الشَّيْءُ يَمِيدُ مَيْدًا إِذَا تَحَرَّكَ، وَمَادَتِ الْأَغْصَانُ تَمَايَلَتْ، وَمَادَ الرَّجُلُ تَبَخْتَرَ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ وَتَمُورُ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ هَذِهِ غَيْرُ مُقِرَّةٍ أَحَدًا عَلَى ظَهْرِهَا فَأَصْبَحَتْ وَقَدْ أُرْسِيَتْ بِالْجِبَالِ، وَلَمْ تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ وَمَالَتْ وَقَالَتْ: أَيْ رَبِّ! أَتَجْعَلُ عَلَيَّ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي وَالْخَطَايَا، وَيُلْقِي عَلَيَّ الْجِيَفَ وَالنَّتْنَ! فَأَرْسَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ (كِتَابِ التَّفْسِيرِ): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَعَادَ بها عليها فاستقرت فعجب الملائكة من شدة الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شي أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ قَالَ نَعَمِ الْحَدِيدُ قَالُوا يا رب فهل من خلقك شي أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ قَالَ نَعَمِ النَّارُ فَقَالُوا يا رب فهل من خلقك شي أَشَدُّ مِنَ النَّارِ قَالَ نَعَمِ الْمَاءُ قَالُوا يا رب فهل من خلقك شي أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ قَالَ نَعَمِ الرِّيحُ قَالُوا يا رب فهل من خلقك شي أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ قَالَ نَعَمِ ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هذا الوجه.
قُلْتُ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَسْبَابِ، وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى سُكُونِهَا دُونَ الْجِبَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.
(وَأَنْهاراً) أَيْ وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا، أَوْ أَلْقَى فِيهَا أَنْهَارًا.
(وَسُبُلًا) أَيْ طُرُقًا وَمَسَالِكَ.
(لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أَيْ إِلَى حَيْثُ تَقْصِدُونَ مِنَ الْبِلَادِ فَلَا تضلون ولا تتحيرون.
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلاماتٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعَلَامَاتُ مَعَالِمُ الطُّرُقِ بِالنَّهَارِ، أَيْ جَعَلَ لِلطَّرِيقِ عَلَامَاتٍ يَقَعُ الِاهْتِدَاءُ بِهَا.
(وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) يَعْنِي بِاللَّيْلِ، وَالنَّجْمُ يُرَادُ بِهِ النُّجُومُ. وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ "وَبِالنُّجُمِ". الْحَسَنُ: بِضَمِّ النُّونِ وَالْجِيمِ جَمِيعًا وَمُرَادُهُ النُّجُومُ، فَقَصَرَهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الْفَقِيرَ بَيْنَنَا قَاضٍ حَكَمْ ... أَنْ تَرِدَ الْمَاءَ إِذَا غَابَ النُّجُمْ
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ لِمَنْ قَرَأَ "النُّجْمُ" إِلَّا أَنَّهُ سَكَّنَ اسْتِخْفَافًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النُّجُمُ جَمْعُ نَجْمٍ كَسُقُفٍ وَسَقْفٍ. وَاخْتُلِفَ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَدْيُ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقِيلَ: الثُّرَيَّا. قَالَ الشَّاعِرُ:
حَتَّى إِذَا مَا اسْتَقَلَّ النَّجْمُ فِي غَلَسٍ ... وَغُودِرَ الْبَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودُ [[البيت لذي الرمة. ومعنى "استقل" طلع في آخر الليل. وفى ديوانه: "أحصد" بدل "غودر". وأحصد: حان حصاده.]]
أَيْ مِنْهُ مَلْوِيٌّ وَمِنْهُ مَحْصُودٌ، وَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيَّا يَكُونُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْعَلَامَاتُ الْجِبَالُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ النُّجُومُ، لِأَنَّ مِنَ النُّجُومِ مَا يُهْتَدَى بِهَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَامَةً لَا يُهْتَدَى بِهَا، وَقَالَهُ قَتَادَةُ وَالنَّخَعِيُّ. وَقِيلَ: