< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


صَوْتُهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ- قَالَ- وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ. قُلْتُ: هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى سَنَدٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، إِذْ مِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ. وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ". فَقَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ: "خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ" يَقْتَضِي الْعُمُومَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَارِجٌ مِنْ نَارٍ نَارٌ لَا دُخَانَ لَهَا خُلِقَ مِنْهَا الْجَانُّ، وَالسَّمُومُ الرِّيحُ الْحَارَّةُ تُؤَنَّثُ، يُقَالُ مِنْهُ: سُمَّ يَوْمُنَا فَهُوَ يَوْمٌ مَسْمُومٌ، وَالْجَمْعُ سَمَائِمُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهَارِ وَقَدْ تَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَالْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَقَدْ تَكُونُ بِالنَّهَارِ. الْقُشَيْرِيُّ: وَسُمِّيَتِ الريح الحارة سموما لدخولها (بلطفها [[من ى]]) في مسام البدن.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٦١، وص ٢٩١ قما بعد.]] ".

(إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ) مِنْ طِينٍ (فَإِذا سَوَّيْتُهُ) أَيْ سَوَّيْتُ خَلْقَهُ وَصُورَتَهُ.

(وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) النَّفْخُ إِجْرَاءُ الرِّيحِ فِي الشَّيْءِ. وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ، أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنْ يَخْلُقَ الْحَيَاةَ فِي الْبَدَنِ مَعَ ذَلِكَ الْجِسْمِ. وَحَقِيقَتُهُ إِضَافَةُ خَلْقٍ إِلَى خَالِقٍ، فَالرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، كَقَوْلِهِ: "أَرْضِي وَسَمَائِي وَبَيْتِي وَنَاقَةُ اللَّهِ وَشَهْرُ اللَّهِ". وَمِثْلُهُ "وَرُوحٌ مِنْهُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" النِّسَاءِ [[راجع ج ٦ ص ٢٢]] " مُبَيَّنًا. وَذَكَرْنَا فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ) الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ، وَأَنَّ النَّفْسَ وَالرُّوحَ اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ إِنَّ الرُّوحَ هُوَ الْحَيَاةُ قَالَ أَرَادَ: فَإِذَا رُكِّبَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ.

(فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) أَيْ خِرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ. وَهُوَ سُجُودُ تَحِيَّةٍ وَتَكْرِيمٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ. وَلِلَّهِ أَنْ يُفَضِّلَ مَنْ يُرِيدُ، فَفَضَّلَ الْأَنْبِيَاءَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٦١، وص ٢٩١ قما بعد.]] " هَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ الْقَفَّالُ: كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ آدَمَ، وَامْتَحَنَهُمْ (الله [[من ى]] بِالسُّجُودِ لَهُ تَعْرِيضًا لَهُمْ لِلثَّوَابِ الْجَزِيلِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقِيلَ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِلَّهِ عِنْدَ آدم، وكان آدم قبلة لهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- لَا شَكَّ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مَأْمُورًا بالسجود، لقول:" مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [[راجع ج ٧ ص ١٦٩.]] "وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارُ وَالِاسْتِعْظَامُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٩٤.]] "بَيَانُهُ. ثُمَّ قِيلَ: كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٩٤.]] "هَذَا كُلُّهُ مُسْتَوْفًى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجَانُّ أَبُو الْجِنِّ وَلَيْسُوا شَيَاطِينَ. وَالشَّيَاطِينُ وَلَدُ إِبْلِيسَ، لَا يَمُوتُونَ إِلَّا مَعَ إِبْلِيسَ. وَالْجِنُّ يَمُوتُونَ، وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَمِنْهُمُ الْكَافِرُ. فَآدَمُ أَبُو الْإِنْسِ. وَالْجَانُّ أَبُو الْجِنِّ. وَإِبْلِيسُ أَبُو الشَّيَاطِينِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَالَّذِي تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ" خِلَافُ هَذَا، فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ. الثَّانِيَةُ- الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْجِنْسِ غَيْرِ الْجِنْسِ صَحِيحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، حَتَّى لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِينَارٌ إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ عَشْرَةُ أَثْوَابٍ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ، وَمَا جَانَسَ