< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah014
Ibrahim (14)
Abraham, makkah, 52 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
حَنَقًا وَغَيْظًا، لِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
تَرُدُّونَ فِي فِيهِ غِشَّ الْحَسُو ... دِ حَتَّى يَعَضَّ عَلَيَّ الْأَكُفَّا
يَعْنِي أَنَّهُمْ يَغِيظُونَ الْحَسُودَ حَتَّى يَعَضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وَكَفَّيْهِ. وَقَالَ آخَرُ:
قد أفني أنامل أَزْمَةً [[أزمة: عضا، والوظيف لكل ذى أربع: ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق.]] ... فَأَضْحَى يَعَضُّ عَلَيَّ الْوَظِيفَا
وَقَالُوا:- يَعْنِي الأمم للرسل: (إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) أَيْ بِالْإِرْسَالِ عَلَى زَعْمِكُمْ، لَا أَنَّهُمْ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ أُرْسِلُوا.
(وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ) أَيْ فِي رَيْبٍ وَمِرْيَةٍ.
(مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ) مِنَ التَّوْحِيدِ.
(مُرِيبٍ) أَيْ مُوجِبٌ لِلرِّيبَةِ، يُقَالُ: أَرَبْتُهُ إِذْ فَعَلْتُ أَمْرًا أَوْجَبَ رِيبَةً وَشَكًّا، أَيْ نَظُنُّ أَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ الملك والدنيا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ، أَيْ لَا شَكَّ فِي اللَّهِ، أَيْ فِي تَوْحِيدِهِ، قَالَ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: فِي طَاعَتِهِ. وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا: أَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ شَكٌّ؟! لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهَا وَمُخْتَلِفُونَ فِيمَا عَدَاهَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) خَالِقِهَا وَمُخْتَرِعِهَا وَمُنْشِئِهَا وَمُوجِدِهَا بَعْدَ الْعَدَمِ، لِيُنَبِّهَ عَلَى قُدْرَتِهِ فَلَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ.
(يَدْعُوكُمْ) أَيْ إِلَى طَاعَتِهِ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ.
(لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: "مِنْ" زَائِدَةٌ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يذكر البعض والمراد منه الجميع.
وَقِيلَ: "مِنْ" لِلْبَدَلِ وَلَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ وَلَا مُبَعَّضَةٍ، أَيْ لِتَكُونَ الْمَغْفِرَةُ بَدَلًا مِنَ الذُّنُوبِ.
(وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) يَعْنِي الْمَوْتَ، فَلَا يُعَذِّبُكُمْ فِي الدُّنْيَا.
(قالُوا إِنْ أَنْتُمْ) أَيْ مَا أَنْتُمْ.
(إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) فِي الْهَيْئَةِ وَالصُّورَةِ، تَأْكُلُونَ مِمَّا نَأْكُلُ، وَتَشْرَبُونَ مِمَّا نَشْرَبُ، وَلَسْتُمْ مَلَائِكَةً.
(تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ (فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) أي بحجة ظاهرة، وكان مُحَالًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ الرُّسُلَ مَا دَعُوا إِلَّا ومعهم المعجزات.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أَيْ فِي الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ كَمَا قُلْتُمْ.
(وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) أَيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ. وَقِيلَ، بِالتَّوْفِيقِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْهِدَايَةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِ مَا فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: يَا عَمِّ أَوْصِنِي، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ وَلَا لَيْلَةٍ وَلَا سَاعَةٍ إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ صَدَقَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمِثْلِ أَنْ يُلْهِمَهُمْ ذِكْرَهُ".
(وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ) أَيْ بِحُجَّةٍ وَآيَةٍ.
(إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَتِنَا، أَيْ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَ بِحُجَّةٍ كَمَا تَطْلُبُونَ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَلَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ، لِأَنَّهُ لَا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه.
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ "مَا" اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "لَنا" الْخَبَرُ، وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ الحال، التقدير: أي شي لَنَا فِي تَرْكِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ.
(وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) أَيِ الطَّرِيقَ الَّذِي يُوَصِّلُ إِلَى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته.
(وَلَنَصْبِرَنَّ) لَامُ قَسَمٍ، مَجَازُهُ: وَاللَّهِ لَنَصْبِرَنَّ (عَلى مَا آذَيْتُمُونا) بِهِ، أَيْ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالضَّرْبِ، وَالتَّكْذِيبِ وَالْقَتْلِ، ثِقَةً بِاللَّهِ أَنَّهُ يَكْفِينَا وَيُثِيبُنَا.
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا﴾ اللَّامُ لَامُ قَسَمٍ، أَيْ وَاللَّهِ لَنُخْرِجَنَّكُمْ.
(أَوْ لَتَعُودُنَّ) أَيْ حَتَّى تَعُودُوا أَوْ إِلَّا أَنْ تَعُودُوا، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَإِنَّ "أَوْ" عَلَى بَابِهَا مِنَ