< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ: لَا وَجْهَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى الْغَلَطِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: دَرَيْتُ أَيْ عَلِمْتُ، وَأَدْرَيْتُ غَيْرِي، وَيُقَالُ: دَرَأْتُ أَيْ دَفَعْتُ، فَيَقَعُ الْغَلَطُ بَيْنَ دَرَيْتُ وَدَرَأْتُ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُرِيدُ الْحَسَنُ فِيمَا أَحْسَبُ "وَلَا أَدْرَيْتُكُمْ بِهِ" فَأَبْدَلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفًا عَلَى لُغَةِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، يُبْدِلُونَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفًا إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا، مِثْلَ:﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾[[راجع ج ١١ ص ٢١٥ فما بعد.]] [طه: ٦٣]. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ "أَدْرَأْتُكُمْ" فَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَ الْهَمْزَةِ يَاءٌ، فَأَصْلُهُ "أَدْرَيْتُكُمْ" فَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةً، كَمَا قَالَ: يَايِسُ في يئس وطائي في طيئ، ثم قلبت الالف هَمْزَةً عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ فِي الْعَالَمِ الْعَأْلَمِ وَفِي الْخَاتَمِ الْخَأْتَمِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا غَلَطٌ، وَالرِّوَايَةُ عَنِ الْحَسَنِ "وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ" بِالْهَمْزَةِ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ تَكَلَّمَ أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ دَرَأْتُ أَيْ دَفَعْتُ، أَيْ وَلَا أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَدْفَعُوا فَتَتْرُكُوا الْكُفْرَ بِالْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً﴾ ظَرْفٌ، أَيْ مِقْدَارًا مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً.

(مِنْ قَبْلِهِ) أَيْ مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ، تَعْرِفُونَنِي بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، لَا أَقْرَأُ وَلَا أَكْتُبُ، ثُمَّ جِئْتُكُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ.

(أَفَلا تَعْقِلُونَ) أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مِنْ قِبَلِي. وَقِيلَ: مَعْنَى (لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً) أَيْ لَبِثْتُ فِيكُمْ مُدَّةَ شَبَابِي لَمْ أَعْصِ الله أفتر يدون مِنِّي الْآنَ وَقَدْ بَلَغْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ أُخَالِفَ أَمْرَ اللَّهِ وَأُغَيِّرَ مَا يُنْزِلُهُ عَلَيَّ. قال قتادة: لبثت فِيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَقَامَ سَنَتَيْنِ يَرَى رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَتُوُفِّيَ ﷺ وَهُوَ ابن اثنتين وستين سنة.

هَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَبَدَّلَ كَلَامَهُ وَأَضَافَ شَيْئًا إِلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُنَزِّلْهُ. وَكَذَلِكَ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْكُمْ إِذَا أَنْكَرْتُمُ الْقُرْآنَ وَافْتَرَيْتُمْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَقُلْتُمْ لَيْسَ هَذَا كَلَامَهُ. وَهَذَا مِمَّا أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ابْتِدَاءً. وَقِيلَ: الْمُفْتَرِي الْمُشْرِكُ، وَالْمُكَذِّبُ بِالْآيَاتِ أَهْلُ الْكِتَابِ. "إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ يُرِيدُ الْأَصْنَامَ.

(وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ) وَهَذِهِ غَايَةُ الْجَهَالَةِ مِنْهُمْ، حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفَاعَةَ فِي الْمَآلِ مِمَّنْ لَا يُوجَدُ مِنْهُ نَفْعٌ وَلَا ضَرٌّ فِي الْحَالِ. وَقِيلَ: "شُفَعاؤُنا" أَيْ تَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ الله في إصلاح معايشنا فِي الدُّنْيَا.

(قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "تُنَبِّئُونَ" بِالتَّشْدِيدِ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ الْعَدَوِيُّ "أَتُنْبِئُونَ اللَّهَ" مُخَفَّفًا، مِنْ أَنْبَأَ يُنْبِئُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ مِنْ نَبَّأَ يُنَبِّئُ تَنْبِئَةً، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، جَمَعَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾[[راجع ج ١٨ ص ١٨٦ فما بعد.]] [التحريم: ٣] أَيْ أَتُخْبِرُونَ اللَّهَ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا فِي مُلْكِهِ أَوْ شَفِيعًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَاللَّهُ لَا يعلم لنفسه شريكا في السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَلِذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾[[راجع ج ٩ ص ٣٢٢ فما بعد.]] [الرعد: ٣٣] ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ وَقَدَّسَهَا عَنِ الشِّرْكِ فَقَالَ: "سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ" أَيْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَيْ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [[في ب وع وهـ: ما لا يشفع ولا ينصر.]] وَلَا يُمَيِّزُ "وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ" فَيَكْذِبُونَ، وَهَلْ يَتَهَيَّأُ لَكُمْ أَنْ تُنَبِّئُوهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ!.