< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah098
Al-Bayyina (98)
The Evidence, madinah, 8 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بَيْنَ أنَّ الجَزاءَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ جَنَّةٌ واحِدَةٌ، لَكِنَّ أدْنى تِلْكَ الجَنّاتِ مِثْلُ الدُّنْيا بِما فِيها عَشْرَ مَرّاتٍ كَذا رُوِيَ مَرْفُوعًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
صفحة ٥٢
[الإنسان: ٢٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ جَنّاتٌ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ وعَلَيْهِ يَدُلُّ القُرْآنُ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾[الرَّحْمَنِ: ٤٦ ] ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾[الرحمن: ٦٢] فَذَكَرَ أرْبَعًا لِلْواحِدِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ بَكى مِن خَوْفِ اللَّهِ، وذَلِكَ البُكاءُ إنَّما نَزَلَ مِن أرْبَعَةِ أجْفانٍ: اثْنانِ دُونَ الِاثْنَيْنِ، فاسْتَحَقَّ جَنَّتَيْنِ دُونَ الجَنَّتَيْنِ، فَحَصَلَتْ لَهُ أرْبَعُ جَنّاتٍ، لِسَكْبِهِ البُكاءَ مِن أرْبَعَةِ أجْفانٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الخَوْفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وأخَّرَ الخَوْفَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن دَوامِ الخَوْفِ، أمّا قَبْلَ العَمَلِ فالحاصِلُ خَوْفُ الِاخْتِلالِ، وأمّا بَعْدَ العَمَلِ فالحاصِلُ خَوْفُ الخِلالِ، إذْ هَذِهِ العِبادَةُ لا تَلِيقُ بِتِلْكَ الحَضْرَةِ.المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَدْنٍ﴾ يُفِيدُ الإقامَةَ ﴿لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾[ الجاثِيَةِ: ٣٥]، ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾[الحجر: ٤٨]، ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾[ الكَهْفِ: ١٠٨] يُقالُ: عَدَنَ بِالمَكانِ أقامَ، «ورُوِيَ أنَّ جَنّاتِ عَدْنٍ وسَطُ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: عَدْنٌ مِنَ المَعْدِنِ أيْ هي مَعْدِنُ النَّعِيمِ والأمْنِ والسَّلامَةِ، قالَ بَعْضُهم: إنَّها سُمِّيَتْ جَنَّةً إمّا مِنَ الجِنِّ أوِ الجُنُونِ أوِ الجُنَّةِ أوِ الجَنِينِ، فَإنْ كانَتْ مِنَ الجِنِّ فَهُمُ المَخْصُوصُونَ بِسُرْعَةِ الحَرَكَةِ يَطُوفُونَ العالَمَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّها في إيصالِ المُكَلَّفِ إلى مُشْتَهَياتِهِ في غايَةِ الإسْراعِ. مِثْلَ حَرَكَةِ الجِنِّ، مَعَ أنَّها دارُ إقامَةٍ وعَدْنٍ، وإمّا مِنَ الجُنُونِ فَهو أنَّ الجَنَّةَ بِحَيْثُ لَوْ رَآها العاقِلُ يَصِيرُ كالمَجْنُونِ، لَوْلا أنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ يُثَبِّتُهُ، وإمّا مِنَ الجُنَّةِ فَلِأنَّها جُنَّةٌ واقِيَةٌ تَقِيكَ مِنَ النّارِ، أوْ مِنَ الجَنِينِ، فَلِأنَّ المُكَلَّفَ يَكُونُ في الجَنَّةِ في غايَةِ التَّنَعُّمِ، ويَكُونُ كالجَنِينِ لا يَمَسُّهُ بَرْدٌ ولا حَرٌّ ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ . [ الإنْسانِ: ١٣]
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الماءَ الجارِيَ ألْطَفُ مِنَ الرّاكِدِ، ومِن ذَلِكَ النَّظَرُ إلى الماءِ الجارِي يَزِيدُ نُورًا في البَصَرِ بَلْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: طاعَتُكَ كانَتْ جارِيَةً ما دُمْتَ حَيًّا عَلى ما قالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾[ الحِجْرِ: ٩٩] فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أنْهارُ إكْرامِي جارِيَةً إلى الأبَدِ، ثُمَّ قالَ: مِن تَحْتِها إشارَةً إلى عَدَمِ التَّنْغِيصِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْغِيصَ في البُسْتانِ، إمّا بِسَبَبِ عَدَمِ الماءِ الجارِي فَذَكَرَ الجَرْيَ الدّائِمَ، وإمّا بِسَبَبِ الغَرَقِ والكَثْرَةِ، فَذَكَرَ مِن تَحْتِها، ثُمَّ الألِفُ واللّامُ في الأنْهارِ لِلتَّعْرِيفِ فَتَكُونُ مُنْصَرِفَةً إلى الأنْهارِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهي نَهْرُ الماءِ واللَّبَنِ والعَسَلِ والخَمْرِ، واعْلَمْ أنَّ النَّهارَ والأنْهارَ مِنَ السَّعَةِ والضِّياءِ، فَلا تُسَمّى السّاقِيَةُ نَهَرًا، بَلِ العَظِيمُ هو الَّذِي يُسَمّى نَهَرًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾[ إبْراهِيمَ: ٣٢] فَعَطَفَ ذَلِكَ عَلى البَحْرِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ أتْبَعَهُ بِما هو أفْضَلُ مِنَ الجَنَّةِ وهو الخُلُودُ أوَّلًا والرِّضا ثانِيًا، ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -قالَ: «إنَّ الخُلُودَ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الجَنَّةِ، ورِضا اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الجَنَّةِ». ٥٠ أمّا الصِّفَةُ الأُولى: وهي الخُلُودُ، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ الجَنَّةَ مَرَّةً بِجَنّاتِ عَدْنٍ، ومَرَّةً بِجَنّاتِ النَّعِيمِ، ومَرَّةً بِدارِ السَّلامِ، وهَذِهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّكَ رَكَّبْتَ إيمانَكَ مِن أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: اعْتِقادٍ