< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah096
Al-Alaq (96)
The Clot, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
شَدِيدًا لِلْعُصاةِ، وتَرْغِيبًا عَظِيمًا لِأهْلِ الطّاعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ فَكُلُّ مَن نَهى عَنْ طاعَةِ اللَّهِ فَهو شَرِيكُ أبِي جَهْلٍ في هَذا الوَعِيدِ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ المَنعُ مِنَ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ، لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ الصَّلاةِ وهو المَعْصِيَةُ، ولا يَرُدُّ المَوْلى بِمَنعِ عَبْدِهِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ وصَوْمِ التَّطَوُّعِ وزَوْجَتِهِ عَنِ الِاعْتِكافِ، لِأنَّ ذَلِكَ لِاسْتِيفاءِ مَصْلَحَتِهِ بِإذْنِ رَبِّهِ لا بُغْضًا لِعِبادَةِ رَبِّهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: (كَلّا) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ ومَنعٌ لَهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ بِعِبادَةِ اللّاتِ.
وثانِيها: كَلّا لَنْ يَصِلَ أبُو جَهْلٍ إلى ما يَقُولُ إنَّهُ يَقْتُلُ مُحَمَّدًا أوْ يَطَأُ عُنُقَهُ، بَلْ تِلْمِيذُ مُحَمَّدٍ هو الَّذِي يَقْتُلُهُ ويَطَأُ صَدْرَهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: كَلّا لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يَرى وإنْ كانَ يَعْلَمُ لَكِنْ إذا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِما يَعْلَمُ فَكَأنَّهُ لا يَعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ عَمّا هو فِيهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ، وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾[الرَّحْمَنِ: ٤١] .
وثانِيها: السَّفْعُ الضَّرْبُ، أيْ لَنَلْطِمَنَّ وجْهَهُ.
وثالِثُها: لَنُسَوِّدَنَّ وجْهَهُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا لَفَحَتْهُ النّارُ لَفْحًا يَسِيرًا يُغَيِّرُ لَوْنَ البَشَرَةِ قَدْ سَفَعَتْهُ النّارُ، قالَ: والسَّفْعُ ثَلاثَةُ أحْجارٍ يُوضَعُ عَلَيْها القِدْرُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَوادِها، قالَ: والسَّفْعَةُ سَوادٌ في الخَدَّيْنِ. وبِالجُمْلَةِ فَتَسْوِيدُ الوَجْهِ عَلامَةُ الإذْلالِ والإهانَةِ.
ورابِعُها: لَنَسِمَنَّهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾[القَلَمِ: ١٦] إنَّهُ أبُو جَهْلٍ.
خامِسُها: لَنُذِلَّنَّهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”لَنَسْفَعَنَّ“ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، أيِ الفاعِلُ لِهَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ والمَلائِكَةُ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”لَأسْعَفَنَّ“، أيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ. أنا الَّذِي أتَوَلّى إهانَتَهُ، نَظِيرُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ﴾[الأنْفالِ: ٦٢]، ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾[الفَتْحِ: ٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا السَّفْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إلى النّارِ في الآخِرَةِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في الدُّنْيا، وهَذا أيْضًا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ: إنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْرَأ عَلى أبِي جَهْلٍ ويَخِرَّ لِلَّهِ ساجِدًا في آخِرِها فَفَعَلَ، فَعَدا إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ لِيَطَأ عُنُقَهُ، فَلَمّا دَنا مِنهُ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ راجِعًا، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَحْلًا فاغِرًا فاهُ لَوْ مَشَيْتُ إلَيْهِ لالتَقَمَنِي، وقِيلَ: كانَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى كَتِفَيْهِ في صُورَةِ الأسَدِ» .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَوْمَ بَدْرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِشارَةً بِأنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُ المُسْلِمِينَ مِن ناصِيَتِهِ حَتّى يَجُرُّونَهُ إلى القَتْلِ إذا عادَ إلى النَّهْيِ، فَلَمّا عادَ لا جَرَمَ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ناصِيَتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ: صفحة ٢٤