< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah096
Al-Alaq (96)
The Clot, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
هَذا الحَرْفُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: رَبَّيْتُكَ فَلَزِمَكَ القَضاءُ فَلا تَتَكاسَلُ.
والثّانِي: أنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ لِلْإتْمامِ، وقَدْ رَبَّيْتُكَ مُنْذُ كَذا فَكَيْفَ أُضَيِّعُكَ، أيْ حِينَ كُنْتَ عَلَقًا لَمْ أدَعْ تَرْبِيَتَكَ فَبَعْدَ أنْ صِرْتَ خَلْقًا نَفِيسًا مُوَحِّدًا عارِفًا بِي كَيْفَ أُضَيِّعُكَ ! .
السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ أضافَ ذاتَهُ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ؟ الجَوابُ: تارَةً يُضِيفُ ذاتَهُ إلَيْهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَما هَهُنا، وتارَةً يُضِيفُهُ إلى نَفْسِهِ بِالعُبُودِيَّةِ، أسْرى بِعَبْدِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عَلِيٌّ مِنِّي وأنا مِنهُ» “ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو لِي وأنا لَهُ، يُقَرِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾[النِّساءِ: ٨٠] أوْ نَقُولُ: إضافَةُ ذاتِهِ إلى عَبْدِهِ أحْسَنُ مِن إضافَةِ العَبْدِ إلَيْهِ، إذْ قَدْ عُلِمَ في الشّاهِدِ أنَّ مَن لَهُ ابْنانِ يَنْفَعُهُ أكْبَرُهُما دُونَ الأصْغَرِ، يَقُولُ: هو ابْنِي فَحَسْبُ لِما أنَّهُ يَنالُ مِنهُ المَنفَعَةَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: المَنفَعَةُ تَصِلُ مِنِّي إلَيْكَ، ولَمْ تَصِلْ مِنكَ إلَيَّ خِدْمَةٌ ولا طاعَةٌ إلى الآنَ، فَأقُولُ: أنا لَكَ ولا أقُولُ أنْتَ لِي، ثُمَّ إذا أتَيْتَ بِما طَلَبْتُهُ مِنكَ مِن طاعَةٍ أوْ تَوْبَةٍ أضَفْتُكَ إلى نَفْسِي فَقُلْتُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾[الزُّمَرِ: ٥٣] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: (رَبِّكَ) قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ الجَوابُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّكَ رَبِّي ؟ فَيَقُولُ: لِأنَّكَ كُنْتَ بِذاتِكَ وصِفاتِكَ مَعْدُومًا. ثُمَّ صِرْتَ مَوْجُودًا فَلا بُدَّ لَكَ في ذاتِكَ وصِفاتِكَ مِن خالِقٍ، وهَذا الخَلْقُ والإيجادُ تَرْبِيَةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنِّي رَبُّكَ وأنْتَ مَرْبُوبِي.
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي حَصَلَ مِنهُ الخَلْقُ واسْتَأْثَرَ بِهِ لا خالِقَ سِواهُ.
والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ، لِأنَّهُ مُطْلَقٌ، فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، كَقَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، أيْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَخْصِيصٌ لِلْإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ، إمّا لِأنَّ التَّنْزِيلَ إلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ أشْرَفُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ مُبْهَمًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَفْخِيمًا لِخَلْقِ الإنْسانِ ودَلالَةً عَلى عَجِيبِ فِطْرَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا خالِقَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الخالِقِيَّةَ صِفَةً مُمَيِّزَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ سائِرِ الذَّواتِ، وكُلُّ صِفَةٍ هَذا شَأْنُها فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الشَّرِكَةِ فِيها، قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ عَرَفْنا أنَّ خاصِّيَّةَ الإلَهِيَّةِ هي القُدْرَةُ عَلى الِاخْتِراعِ ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الإلَهِ، فَقالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾[الشُّعَراءِ: ٢٣] قالَ مُوسى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾[الشُّعَراءِ: ٢٦] والرُّبُوبِيَّةُ إشارَةٌ إلى الخالِقِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَها هَهُنا، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُتَكَلِّمُونَ عَلى أنَّ أوَّلَ الواجِباتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، أوِ النَّظَرُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ أوِ القَصْدُ إلى ذَلِكَ النَّظَرِ عَلى الِاخْتِلافِ المَشْهُورِ فِيما بَيْنَهم، ثُمَّ إنَّ الحَكِيمَ سُبْحانَهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْعَثَهُ رَسُولًا إلى المُشْرِكِينَ، لَوْ قالَ لَهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ، لَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهُ، لَكِنَّهُ تَعالى قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً تُلْجِئُهم إلى الِاعْتِرافِ بِهِ كَما يُحْكى أنَّ زُفَرَ لَمّا بَعَثَهُ أبُو حَنِيفَةَ إلى