< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الوُجُودِ بَشَرًا سَوِيًّا، طاهِرَ الظّاهِرِ نَجِسَ الباطِنِ، بِشارَةٌ مِنكَ أنْ تَسْتُرَ عَلَيَّ ذُنُوبِي بِسِتْرِ عَفْوِكَ، كَما سَتَرْتَ نَجاسَتِي بِالجِلْدِ الظّاهِرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنِي قَضاءُ نِعْمَتِكَ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ ؟ فَيَقُولُ تَعالى: الطَّرِيقُ إلى ذَلِكَ أنْ تَفْعَلَ في حَقِّ عَبِيدِي ما فَعَلْتُهُ في حَقِّكَ، كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ فافْعَلْ في حَقِّ الأيْتامِ ذَلِكَ، وكُنْتَ ضالًّا فَهَدَيْتُكَ فافْعَلْ في حَقِّ عَبِيدِي ذَلِكَ، وكُنْتَ عائِلًا فَأغْنَيْتُكَ فافْعَلْ في حَقِّ عَبِيدِي ذَلِكَ ثُمَّ إنْ فَعَلْتَ كُلَّ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّكَ إنَّما فَعَلْتَها بِتَوْفِيقِي لَكَ ولُطْفِي وإرْشادِي، فَكُنْ أبَدًا ذاكِرًا لِهَذِهِ النِّعَمِ والألْطافِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ فاعْلَمْ أنَّ بَعْضَ النّاسِ ذَهَبَ إلى أنَّهُ كانَ كافِرًا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ يَعْنِي: كافِرًا في قَوْمٍ ضُلّالٍ فَهَداكَ لِلتَّوْحِيدِ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ عَنِ الهُدى لِدِينِهِ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِآياتٍ أُخَرَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾[الشُّورى: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾[يُوسُفَ: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزُّمَرِ: ٦٥] فَهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَلِكَ مِنهُ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الصِّحَّةِ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾ عَلَيْهِ، وأمّا الجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ

صفحة ١٩٦

فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كَفَرَ بِاللَّهِ لَحْظَةً واحِدَةً، ثُمَّ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَقْلًا لِما فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ، وعِنْدَ أصْحابِنا هَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا لِأنَّهُ جائِزٌ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ كافِرًا فَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الإيمانَ ويُكْرِمَهُ بِالنُّبُوَّةِ، إلّا أنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ قامَ عَلى أنَّ هَذا الجائِزَ لَمْ يَقَعْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾[النَّجْمِ: ٢] ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

أحَدُها: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: ”﴿ووَجَدَكَ ضالًّا﴾“ عَنْ مَعالِمِ النِّعْمَةِ وأحْكامِ الشَّرِيعَةِ غافِلًا عَنْها فَهَداكَ إلَيْها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ .

وثانِيها: ضَلَّ عَنْ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ حِينَ أرادَتْ أنْ تَرُدَّهُ إلى جَدِّهِ حَتّى دَخَلَتْ إلى هُبَلَ وشَكَتْ ذَلِكَ إلَيْهِ فَتَساقَطَتِ الأصْنامُ، وسَمِعَتْ صَوْتًا يَقُولُ: إنَّما هَلاكُنا بِيَدِ هَذا الصَّبِيِّ، وفِيهِ حِكايَةٌ طَوِيلَةٌ.

وثالِثُها: ما رُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ضَلَلْتُ عَنْ جَدِّي عَبْدِ المُطَّلِبِ وأنا صَبِيٌّ ضائِعٌ، كادَ الجُوعُ يَقْتُلُنِي، فَهَدانِي اللَّهُ» “ ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ، وذَكَرَ تَعَلُّقَهُ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقَوْلُهُ:

يا رَبِّ رُدَّ ولَدِي مُحَمَّدا ارْدُدْهُ رَبِّي واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدا

فَما زالَ يُرَدِّدُ هَذا عِنْدَ البَيْتِ حَتّى أتاهُ أبُو جَهْلٍ عَلى ناقَةٍ وبَيْنَ يَدَيْهِ مُحَمَّدٌ وهو يَقُولُ: لا نَدْرِي ماذا نَرى مِنِ ابْنِكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ ولِمَ ؟ قالَ: إنِّي أنَخْتُ النّاقَةَ وأرْكَبْتُهُ مِن خَلْفِي فَأبَتِ النّاقَةُ أنْ تَقُومَ، فَلَمّا أرْكَبْتُهُ أمامِي قامَتِ النّاقَةُ، كَأنَّ النّاقَةَ تَقُولُ: يا أحْمَقُ هو الإمامُ فَكَيْفَ يَقُومُ خَلْفَ المُقْتَدِي ! وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَدَّهُ اللَّهُ إلى جَدِّهِ بِيَدِ عَدُوِّهِ كَما فَعَلَ بِمُوسى حِينَ حَفِظَهُ عَلى يَدِ عَدُوِّهِ.

ورابِعُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَرَجَ مَعَ غُلامِ خَدِيجَةَ مَيْسَرَةَ أخَذَ كافِرٌ بِزِمامِ بَعِيرِهِ حَتّى ضَلَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَهَداهُ إلى القافِلَةِ، وقِيلَ: إنَّ أبا طالِبٍ خَرَجَ بِهِ إلى الشَّأْمِ فَضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ فَهَداهُ اللَّهُ تَعالى.

وخامِسُها: يُقالُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ إذا صارَ