< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أبُو بَكْرٍ، فَهاتانِ المُقَدِّمَتانِ مَتى صَحَّتا صَحَّ المَقْصُودُ، إنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ مِن هَذا الأتْقى أفْضَلُ الخَلْقِ لِقَوْلِهِ تَعالى:﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ والأكْرَمُ هو الأفْضَلُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أتْقى وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْرَمَ كانَ أتْقى، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ أتْقى كانَ أكْرَمَ، قُلْنا: وصْفُ كَوْنِ الإنْسانِ أتْقى مَعْلُومٌ مُشاهَدٌ، ووَصْفُ كَوْنِهِ أفْضَلَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ولا مُشاهَدٌ، والإخْبارُ عَنِ المَعْلُومِ بِغَيْرِ المَعْلُومِ هو الطَّرِيقُ الحَسَنُ، أمّا عَكْسُهُ فَغَيْرُ مُفِيدٍ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّ الأكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو الأتْقى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ أتْقاكم أكْرَمُكم عِنْدَ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الأتْقى المَذْكُورَ هَهُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أفْضَلَ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ، فَنَقُولُ: لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أبا بَكْرٍ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ أفْضَلَ الخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، إمّا أبُو بَكْرٍ أوْ عَلِيٌّ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُها عَلى أبِي بَكْرٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ هَذا الأتْقى: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾

صفحة ١٨٦

وهَذا الوَصْفُ لا يَصْدُقُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ في تَرْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ أخَذَهُ مِن أبِيهِ وكانَ يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ، ويَكْسُوهُ، ويُرَبِّيهِ، وكانَ الرَّسُولُ مُنْعِمًا عَلَيْهِ نِعْمَةً يَجِبُ جَزاؤُها، أمّا أبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ [ نِعْمَةٌ ] دُنْيَوِيَّةٌ، بَلْ أبُو بَكْرٍ كانَ يُنْفِقُ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ كانَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ نِعْمَةُ الهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الدِّينِ، إلّا أنَّ هَذا لا يُجْزى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾[الفرقان: ٥٧] والمَذْكُورُ هَهُنا لَيْسَ مُطْلَقَ النِّعْمَةِ بَلْ نِعْمَةٌ تُجْزى، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَصْلُحُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ، وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الأفْضَلَ مِنَ الأُمَّةِ، إمّا أبُو بَكْرٍ أوْ عَلِيٍّ، وثَبَتَ أنَّ الآيَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِعَلِيٍّ، تَعَيَّنَ حَمْلُها عَلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وثَبَتَ دَلالَةُ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ أفْضَلُ الأُمَّةِ، وأمّا الرِّوايَةُ فَهي أنَّهُ كانَ بِلالًا [ عَبْدًا ] لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، فَسَلَحَ عَلى الأصْنامِ فَشَكا إلَيْهِ المُشْرِكُونَ فِعْلَهُ، فَوَهَبَهُ لَهم، ومِائَةً مِنَ الإبِلِ يَنْحَرُونَها لِآلِهَتِهِمْ، فَأخَذُوهُ وجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ في الرَّمْضاءِ وهو يَقُولُ: أحَدٌ، أحَدٌ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، وقالَ: يُنْجِيكَ أحَدٌ، أحَدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ أبا بَكْرٍ أنَّ بِلالًا يُعَذَّبُ في اللَّهِ؛ فَحَمَلَ أبُو بَكْرٍ رِطْلًا مِن ذَهَبٍ فابْتاعَهُ بِهِ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، فَنَزَلَ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وهو عَلى المِنبَرِ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَشْتَرِي الضَّعَفَةَ مِنَ العَبِيدِ فَيُعْتِقُهم، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: يا بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ تَبْتاعُ مَن يَمْنَعُ ظَهْرَكَ، فَقالَ: مَنعُ ظَهْرِي أُرِيدُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَحَلِّ: ﴿يَتَزَكّى﴾ وجْهانِ: إنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِن ﴿يُؤْتِي﴾ فَلا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ، والصِّلاتُ لا مَحَلَّ لَها، وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُؤْتِي﴾ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ فِيهِ مَسائِلُ: