< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


صفحة ١٤٧

(سُورَةُ الفَجْرِ)

ثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةً

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والفَجْرِ﴾﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والفَجْرِ﴾﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فِيها إمّا فائِدَةٌ دِينِيَّةٌ مِثْلُ كَوْنِها دَلائِلَ باهِرَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ فائِدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ تُوجِبُ بَعْثًا عَلى الشُّكْرِ، أوْ مَجْمُوعُهُما، ولِأجْلِ ما ذَكَرْناهُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ اخْتِلافًا شَدِيدًا، فَكُلُّ أحَدٍ فَسَّرَهُ بِما رَآهُ أعْظَمَ دَرَجَةً في الدِّينِ، وأكْثَرَ مَنفَعَةً في الدُّنْيا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿والفَجْرِ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الفَجْرَ هو الصُّبْحُ المَعْرُوفُ، فَهو انْفِجارُ الصُّبْحِ الصّادِقِ والكاذِبِ، أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنِ انْقِضاءِ اللَّيْلِ وظُهُورِ الضَّوْءِ وانْتِشارِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ مِنَ الطَّيْرِ والوُحُوشِ في طَلَبِ الأرْزاقِ، وذَلِكَ مُشاكِلٌ لِنُشُورِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ، وفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾[المدثر: ٣٤] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾[التكوير: ١٨] ويُمْدَحُ في آيَةٍ أُخْرى بِكَوْنِهِ خالَقًا لَهُ، فَقالَ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾[الأنعام: ٩٦] ومِنهم مَن قالَ المُرادُ بِهِ جَمِيعُ النَّهارِ إلّا أنَّهُ دَلَّ بِالِابْتِداءِ عَلى الجَمِيعِ، نَظِيرُهُ: ﴿والضُّحى﴾[الضحى: ١] وقَوْلُهُ: ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾[الليل: ٢] .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ نَفْسُ صَلاةِ الفَجْرِ وإنَّما أقْسَمَ بِصَلاةِ الفَجْرِ لِأنَّها صَلاةٌ في مُفْتَتَحِ النَّهارِ وتَجْتَمِعُ لَها مَلائِكَةُ النَّهارِ ومَلائِكَةُ اللَّيْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾[الإسراء: ٧٨] أيْ تَشْهَدُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ القِراءَةَ في صَلاةِ الصُّبْحِ.

وثالِثُها: أنَّهُ فَجْرُ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّهُ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ أمْرَ المَناسِكِ مِن خَصائِصِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وكانَتِ العَرَبُ لا تَدَعُ الحَجَّ وهو يَوْمٌ عَظِيمٌ يَأْتِي الإنْسانُ فِيهِ بِالقُرْبانِ كَأنَّ الحاجَّ يُرِيدُ أنْ يَتَقَرَّبَ بِذَبْحِ نَفْسِهِ، فَلَمّا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَدى نَفْسَهُ بِذَلِكَ القُرْبانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾[الصافات: ١٠٧] .

الثّانِي: أرادَ فَجْرَ ذِي الحِجَّةِ لِأنَّهُ قَرَنَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ ولِأنَّهُ أوَّلُ شَهْرِ هَذِهِ

صفحة ١٤٨

العِبادَةِ المُعَظَّمَةِ.

الثّالِثُ: المُرادُ فَجْرُ المُحَرَّمِ، أقْسَمَ بِهِ لِأنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ مِن كُلِّ سَنَةٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ يُحْدِثُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِمّا يَتَكَرَّرُ بِالسِّنِينَ كالحَجِّ والصَّوْمِ والزَّكاةِ واسْتِئْنافِ الحِسابِ بِشُهُورِ الأهِلَّةِ، وفي الخَبَرِ أنَّ أعْظَمَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فَجْرُ السَّنَةِ هو المُحَرَّمُ فَجَعَلَ جُمْلَةَ المُحَرَّمِ فَجْرًا.

ورابِعُها: أنَّهُ عَنى بِالفَجْرِ العُيُونَ الَّتِي تَنْفَجِرُ مِنها المِياهُ، وفِيها حَياةُ الخَلْقِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما جاءَتْ مُنْكَّرَةً مِن بَيْنِ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِأنَّها لَيالٍ مَخْصُوصَةٌ بِفَضائِلَ لا تَحْصُلُ في غَيْرِها، والتَّنْكِيرُ دالٌّ عَلى الفَضِيلَةِ العَظِيمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّها عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ لِأنَّها أيّامُ الِاشْتِغالِ بِهَذا النُّسْكِ في الجُمْلَةِ، وفي الخَبَرِ: ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيهِ أفْضَلُ مِن أيّامِ العَشْرِ.

وثانِيها: أنَّها عَشْرُ المُحَرَّمِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ تِلْكَ الأيّامِ، وفِيها يَوْمُ عاشُوراءَ ولِصَوْمِهِ مِنَ الفَضْلِ ما ورَدَ بِهِ الأخْبارُ.

وثالِثُها: أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها لِشَرَفِها وفِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، إذْ في الخَبَرِ اطْلُبُوها في العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا دَخَلَ العَشْرُ الأخِيرُ مِن رَمَضانَ

« الصفحة السابقة ص ١ من ١٥ الصفحة التالية »