< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بَعْدَ الِانْفِصالِ عَنِ الرَّحِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَهُ خالِصًا عَنِ الكَدْحِ والظُّلْمَةِ فَنَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الحالُ فِيما بَعْدَ المَوْتِ كَذَلِكَ.

وثانِيها: قالَ القَفّالُ: التَّقْدِيرُ إنَّكَ كادِحٌ في دُنْياكَ كَدْحًا تَصِيرُ بِهِ إلى رَبِّكَ فَبِهَذا التَّأْوِيلِ حَسُنَ اسْتِعْمالُ حَرْفِ إلى هاهُنا.

وثالِثُها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُخُولُ إلى عَلى مَعْنى أنَّ الكَدْحَ هو السَّعْيُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ساعٍ بِعَمَلِكَ (إلى رَبِّكُ) أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ.

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ أيْ مُلاقٍ حُكْمَهُ لا مَفَرَّ لَكَ مِنهُ، وقالَ آخَرُونَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكَدْحِ، إلّا أنَّ الكَدْحَ عَمَلٌ وهو عَرَضٌ لا يَبْقى فَمُلاقاتُهُ مُمْتَنِعَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُلاقاةَ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ بَيانُ تِلْكَ الأعْمالِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ .

فالمَعْنى فَأمّا مَن أُعْطِيَ كِتابَ أعْمالِهِ بِيَمِينِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ وسَوْفَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: اتَّبِعْنِي فَسَوْفَ نَجِدُ خَيْرًا، فَإنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ الشَّكَّ، وإنَّما يُرِيدُ تَرْقِيقَ الكَلامِ. والحِسابُ اليَسِيرُ هو أنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ أعْمالُهُ، ويَعْرِفَ أنَّ الطّاعَةَ مِنها هَذِهِ، والمَعْصِيَةَ هَذِهِ، ثُمَّ يُثابُ عَلى الطّاعَةِ ويُتَجاوَزُ عَنِ المَعْصِيَةِ فَهَذا هو الحِسابُ اليَسِيرُ لِأنَّهُ لا شِدَّةَ عَلى صاحِبِهِ ولا مُناقَشَةَ، ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولا يُطالَبُ بِالعُذْرِ فِيهِ ولا بِالحُجَّةِ عَلَيْهِ.

فَإنَّهُ مَتى طُولِبَ بِذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عُذْرًا ولا حُجَّةً فَيُفْتَضَحُ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ هَذا الحِسابِ اليَسِيرِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا فائِزًا بِالثَّوابِ آمِنًا مِنَ العَذابِ، والمُرادُ مِن أهْلِهِ أهْلُ الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ أوْ مِن زَوْجاتِهِ وذُرِّيّاتِهِ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعَدَّ لَهُ ولِأهْلِهِ في الجَنَّةِ

صفحة ٩٧

ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ، «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا، قُلْتُ وما الحِسابُ اليَسِيرُ ؟ قالَ: يَنْظُرُ في كِتابِهِ ويُتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، فَأمّا مَن نُوقِشَ في الحِسابِ فَقَدْ هَلَكَ“»«وعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن نُوقِشَ الحِسابَ فَقَدْ هَلَكَ“ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالَ: ”ذَلِكَ العَرْضُ، ولَكِنَّ مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ» “ وفي قَوْلِهِ: ”يُحاسَبُ“ إشْكالٌ لِأنَّ المُحاسَبَةَ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ولَيْسَ في القِيامَةِ لِأحَدٍ قِبَلَ رَبِّهِ مُطالَبَةٌ فَيُحاسِبَهُ. وجَوابُهُ: أنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي فَعَلْتُ المَعْصِيَةَ الفُلانِيَّةَ، فَكَأنَّ ذَلِكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعَبْدِ مُحاسِبَةٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّ الكُفّارَ بِأنَّهُ لا يُكَلِّمُهم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُكَلِّمُ المُطِيعِينَ والعَبْدُ يُكَلِّمُهُ فَكانَتِ المُكالَمَةُ مُحاسَبَةً.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ فَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: السَّبَبُ فِيهِ لِأنَّ يَمِينَهُ مَغْلُولَةٌ إلى عُنُقِهِ ويَدَهُ اليُسْرى خَلْفَ ظَهْرِهِ.

وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: تُخْلَعُ يَدُهُ اليُسْرى فَتُجْعَلُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ.

وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: يَتَحَوَّلُ وجْهُهُ في قَفاهُ، فَيَقْرَأُ كِتابَهُ كَذَلِكَ.

ورابِعُها: أنَّهُ يُؤْتى كِتابُهُ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ لِأنَّهُ إذا حاوَلَ أخْذَهُ بِيَمِينِهِ كالمُؤْمِنِينَ يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ وأُوتِيَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ بِشِمالِهِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في سُورَةِ الحاقَّةِ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾[الحاقة: ٢٥] ولَمْ يَذْكُرِ الظَّهْرَ.

والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: يَحْتَمِلُ أنْ يُؤْتى بِشِمالِهِ وراءَ ظَهْرِهِ عَلى ما حَكَيْناهُ عَنِ الكَلْبِيِّ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يُعْطى بِشِمالِهِ، وبَعْضُهم مِن