< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.

ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.

والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ

صفحة ٨٨

حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.

قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الفُجّارِ المُطَفِّفِينَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حالِ الأبْرارِ الَّذِينَ لا يُطَفِّفُونَ، فَقالَ: (كَلّا) أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الفُجّارُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِن أنَّ كِتابَ اللَّهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ ”عِلِّيِّينَ“ أقْوالًا، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ أيْضًا أقْوالًا، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: ”عِلِّيِّينَ“ جَمْعُ عِلِّيٍّ، وهو فِعِّيلٌ مِنَ العُلُوِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: إعْرابُ هَذا الِاسْمِ كَإعْرابِ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ قِنِّسْرُونَ ورَأيْتُ قِنِّسْرِينَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها السَّماءُ الرّابِعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِدْرَةُ المُنْتَهى، وقالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي ارْتِفاعًا بَعْدَ ارْتِفاعٍ لا غايَةَ لَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلى الأمْكِنَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مَراتِبُ عالِيَةٌ مَحْفُوظَةٌ بِالجَلالَةِ قَدْ عَظَّمَها اللَّهُ وأعْلى شَأْنَها، وقالَ آخَرُونَ: عِنْدَ كِتابِ أعْمالِ المَلائِكَةِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الأخِيرِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهُ، وأنَّهُ سَيَعْرِفُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾فَبَيَّنَ أنَّ كِتابَهم في هَذا الكِتابِ المَرْقُومِ الَّذِي يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى