< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قالَ ثالِثًا:﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ اللَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ العَظَمَةِ، ثُمَّ قالَ رابِعًا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ نَوْعانِ مِنَ التَّهْدِيدِ.

أحَدُهُما: كَوْنُهم قائِمِينَ مَعَ غايَةِ الخُشُوعِ ونِهايَةِ الذِّلَّةِ والِانْكِسارِ.

والثّانِي: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ.

ثُمَّ هاهُنا سُؤالٌ وهو كَأنَّهُ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ غايَةِ عَظَمَتِكَ أنْ تُهَيِّئَ هَذا المَحْفَلَ العَظِيمَ الَّذِي هو مَحْفَلُ القِيامَةِ لِأجْلِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ ؟ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يُجِيبُ، فَيَقُولُ عَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ لا تَتِمُّ إلّا بِالعَظَمَةِ في القُدْرَةِ والعَظَمَةِ في الحِكْمَةِ، فَعَظَمَةُ القُدْرَةِ ظَهَرَتْ بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، لَكِنَّ عَظَمَةَ الحِكْمَةِ لا تَظْهَرُ إلّا بِأنْ أنْتَصَفَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ، فَإنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أحْقَرَ وأصْغَرَ كانَ العِلْمُ الواصِلُ إلَيْهِ أعْظَمَ وأتَمَّ، فَلِأجْلِ إظْهارِ العَظَمَةِ في الحِكْمَةِ أحْضَرْتُ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ، وحاسَبْتُ المُطَفِّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ الطَّفِيفِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: لَفْظُ المُطَفِّفِ يَتَناوَلُ التَّطْفِيفَ في الوَزْنِ والكَيْلِ، وفي إظْهارِ العَيْبِ وإخْفائِهِ، وفي طَلَبِ الإنْصافِ والِانْتِصافِ، ويُقالُ: مَن لَمْ يَرْضَ لِأخِيهِ المُسْلِمِ ما يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ بِمُنْصِفٍ والمُعاشَرَةُ والصُّحْبَةُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، والَّذِي يَرى عَيْبَ النّاسِ، ولا يَرى عَيْبَ نَفْسِهِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، ومَن طَلَبَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ النّاسِ، ولا يُعْطِيهِمْ حُقُوقَهم كَما يَطْلُبُهُ لِنَفْسِهِ، فَهو مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ والفَتى مَن يَقْضِي حُقُوقَ النّاسِ ولا يَطْلُبُ مِن أحَدٍ لِنَفْسِهِ حَقًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.

الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.

السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ