< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah078
An-Naba (78)
The Announcement, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قَوْلُهُ تَعالى:﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ: (أنَّ جَهَنَّمَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَعْلِيلِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كانَ كَذَلِكَ لِإقامَةِ الجَزاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَتْ مِرْصادًا، أيْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: صارَتْ، وهَذانَ القَوْلانِ نَقَلَهُما القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ القاضِي، فَإنّا إذا فَسَّرْنا المِرْصادَ بِالمُرْتَقِبِ، أفادَ ذَلِكَ أنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ كالمُنْتَظِرَةِ لِقُدُومِهِمْ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ، وكالمُسْتَدْعِيَةِ والطّالِبَةِ لَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المِرْصادِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المِرْصادَ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ، كالمِضْمارِ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُضْمَرُ فِيهِ الخَيْلُ، والمِنهاجُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُنْهَجُ فِيهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فِيهِ احْتِمالانِ، أحَدُهُما: أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يَرْصُدُونَ الكُفّارَ. والثّانِي: أنَّ مَجازَ المُؤْمِنِينَ ومَمَرَّهم كانَ عَلى جَهَنَّمَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾[مَرْيَمَ: ٧١]، فَخَزَنَةُ الجَنَّةِ يَسْتَقْبِلُونَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ جَهَنَّمَ، ويَرْصُدُونَهم عِنْدَها.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المِرْصادَ مِفْعالٌ مِنَ الرَّصْدِ، وهو التَّرَقُّبُ، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ مِنهُ، والمِفْعالُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ كالمِنظارِ والمِعْمارِ والمِطْعانِ، قِيلَ: إنَّها تَرْصُدُ أعْداءَ اللَّهِ وتَشُقُّ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾[المُلْكِ: ٨] قِيلَ: تَرْصُدُ كُلَّ كافِرٍ ومُنافِقٍ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ اسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾[الفَجْرِ: ١٤] ولَوْ كانَ المِرْصادُ نَعْتًا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ رَبَّكَ لَمِرْصادٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ أيْ مُعَدَّةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الجَنَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: إنْ قُلْنا إنَّهُ مِرْصادٌ لِلْكُفّارِ فَقَطْ كانَ قَوْلُهُ: (لِلطّاغِينَ) مِن تَمامِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (مَآبًا) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) وإنْ قُلْنا: بِأنَّها كانَتْ مِرْصادًا مُطْلَقًا لِلْكُفّارِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ كَلامًا تامًّا، وقَوْلُهُ: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ جَهَنَّمَ مِرْصادٌ لِلْكُلِّ، ومَآبٌ لِلطّاغِينَ خاصَّةً، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ لَمْ يَقِفْ عَلى قَوْلِهِ: (مِرْصادًا) أمّا مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي وقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: المُرادُ بِالطّاغِينَ مَن تَكَبَّرَ عَلى رَبِّهِ وطَغى في مُخالَفَتِهِ ومُعارَضَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَآبًا) أيْ مَصِيرًا ومَقَرًّا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْ جَهَنَّمَ مَآبٌ لِلطّاغِينَ، وبَيَّنَ كَمِّيَّةَ اسْتِقْرارِهِمْ هُناكَ، فَقالَ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ (لابِثِينَ) وقَرَأ حَمْزَةُ (لَبِثِينَ) وفِيهِ وجْهانِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ يُقالُ: لابِثٌ ولَبِثٌ، مِثْلُ: طامِعٌ وطَمِعٌ، وفارِهٌ وفَرِهٌ، وهو كَثِيرٌ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: واللَّبِثُ أقْوى لِأنَّ اللّابِثَ مَن وُجِدَ مِنهُ اللَّبْثُ، ولا يُقالُ: لَبِثٌ إلّا لِمَن شَأْنُهُ اللَّبْثُ، وهو أنْ يَسْتَقِرَّ في المَكانِ، ولا يَكادُ يَنْفَكُّ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ الحِقَبِ مِنَ التَّرادُفِ والتَّتابُعِ، يُقالُ: أحْقَبَ إذا أرْدَفَ ومِنهُ الحَقِيبَةُ ومِنهُ كُلُّ مَن حَمَلَ وِزْرًا فَقَدِ احْتَقَبَ، فَيَجُوزُ عَلى هَذا المَعْنى ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ أيْ دُهُورًا مُتَتابِعَةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾[الكَهْفِ: ٦٠] يَحْتَمِلُ سِنِينَ مُتَتابِعَةً إلى أنْ أبْلُغَ أوْ آنَسَ، واعْلَمْ أنَّ الأحْقابَ واحِدُها حُقْبٌ وهو ثَمانُونَ سَنَةً عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، والحِقَبُ السُّنُونَ واحِدَتُها حِقْبَةٌ، وهي زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ لا وقْتَ لَهُ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ عَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (أحْقابًا) الحُقْبُ الواحِدُ