< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah078
An-Naba (78)
The Announcement, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إذا تَعِبَ ثُمَّ نامَ، فَذَلِكَ النَّوْمُ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ التَّعَبَ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الإزالَةُ سَبْتًا وقَطْعًا، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ:﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ راحَةً، ولَيْسَ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ السُّباتَ اسْمٌ لِلرّاحَةِ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ النَّوْمَ يَقْطَعُ التَّعَبَ ويُزِيلُهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الرّاحَةُ.
الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ جَعَلْناهُ نَوْمًا خَفِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ وقَطْعُهُ، تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ مَسْبُوتٌ إذا كانَ النَّوْمُ يُغالِبُهُ وهو يُدافِعُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا لَطِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ، وما جَعَلْناهُ غَشْيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها صَحِيحَةٌ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ قالَ القَفّالُ: أصْلُ اللِّباسِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الإنْسانُ ويَتَغَطّى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُغَطِّيًا لَهُ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ يَغْشى النّاسَ بِظُلْمَتِهِ فَيُغَطِّيهِمْ جُعِلَ لِباسًا لَهُمْ،
صفحة ٨
وهَذا السَّبْتُ، سُمِّيَ اللَّيْلُ لِباسًا عَلى وجْهِ المَجازِ، والمُرادُ كَوْنُ اللَّيْلِ ساتِرًا لَهم. وأمّا وجْهُ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، فَهو أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ الإنْسانَ عَنِ العُيُونِ إذا أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ إخْفاءَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ إطْلاعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، قالَ المُتَنَبِّي:وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وأيْضًا فَكَما أنَّ الإنْسانَ بِسَبَبِ اللِّباسِ يَزْدادُ جَمالُهُ وتَتَكامَلُ قُوَّتُهُ ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى الحَرِّ والبَرْدِ، فَكَذا لِباسُ اللَّيْلِ بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ يَزِيدُ في جَمالِ الإنْسانِ، وفي طَراوَةِ أعْضائِهِ، وفي تَكامُلِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ، ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى التَّعَبِ الجُسْمانِيِّ، وأذى الأفْكارِ المُوحِشَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ وجَدَ الخِفَّةَ العَظِيمَةَ.وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ في المَعاشِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والمَعْنى: وجَعْلِنا النَّهارَ وقْتَ المَعاشِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعاشًا مَفْعَلًا وظَرْفًا لِلتَّعَيُّشِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، ومَعْنى كَوْنِ النَّهارِ مَعاشًا أنَّ الخَلْقَ إنَّما يُمْكِنُهُمُ التَّقَلُّبُ في حَوائِجِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ في النَّهارِ لا في اللَّيْلِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ سَبْعَ سَماواتٍ (شِدادًا) جَمْعُ شَدِيدَةٍ يَعْنِي مُحْكَمَةً قَوِيَّةَ الخَلْقِ لا يُؤَثِّرُ فِيها مُرُورُ الزَّمانِ، لا فُطُورَ فِيها ولا فُرُوجَ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾[الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ البِناءِ يُسْتَعْمَلُ في أسافِلِ البَيْتِ والسَّقْفِ في أعْلاهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا﴾ ؟ قُلْنا: البِناءُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنَ الآفَةِ والِانْحِلالِ مِنَ السَّقْفِ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: (وبَنَيْنا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ وإنْ كانَ سَقْفًا لَكِنَّهُ في البُعْدِ عَنِ الِانْحِلالِ كالبِناءِ، فالغَرَضُ مِنَ اخْتِيارِ هَذا اللَّفْظِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ مُضْطَرِبٌ في تَفْسِيرِ الوَهّاجِ، فَمِنهم مَن قالَ: الوَهَجُ مَجْمَعُ النُّورِ والحَرارَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الشَّمْسَ بالِغَةٌ إلى أقْصى الغاياتِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وهو المُرادُ بِكَوْنِها وهّاجًا، ورَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَهّاجَ مُبالَغَةٌ في النُّورِ فَقَطْ، يُقالُ لِلْجَوْهَرِ إذا تَلَأْلَأ: تَوَهَّجَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَهّاجَ يُفِيدُ الكَمالَ في النُّورِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ النُّورَ:
نُوّارُها مُتَباهِجٌ يَتَوَهَّجُ
وفِي كِتابِ الخَلِيلِ: الوَهَجُ حَرُّ النّارِ والشَّمْسِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَهّاجَ هو البالِغُ في الحَرِّ، واعْلَمْ أنَّ أيَّ هَذِهِ الوُجُوهِ إذا ثَبَتَ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾أمّا المُعْصِراتُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وقَتادَةَ: إنَّها الرِّياحُ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ