< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ يَقُومُونَ صُفُوفًا لِقَوْلِهِ تَعالى:﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفَجْرِ: ٢٢] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الِاسْتِثْناءُ إلى مَن يَعُودُ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

صفحة ٢٣

أحَدُهُما: إلى الرُّوحِ والمَلائِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الرُّوحَ والمَلائِكَةَ لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا عِنْدَ حُصُولِ شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾[البَقَرَةِ: ٢٥٥] والمَعْنى أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.

والشَّرْطُ الثّانِي: أنْ يَقُولَ صَوابًا، فَإنْ قِيلَ: لَمّا أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في ذَلِكَ القَوْلِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَوابٌ لا مَحالَةَ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ صَوابًا﴾ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّحْمَنَ أذِنَ لَهُ في مُطْلَقِ القَوْلِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الإذْنِ لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالصَّوابِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهم لا يَنْطِقُونَ إلّا بَعْدَ وُرُودِ الإذْنِ في الكَلامِ، ثُمَّ بَعْدَ وُرُودِ ذَلِكَ الإذْنِ يَجْتَهِدُونَ، ولا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالكَلامِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ صِدْقٌ وصَوابٌ، وهَذا مُبالَغَةٌ في وصْفِهِمْ بِالطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا في حَقِّ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ والمَعْنى لا يَشْفَعُونَ إلّا في حَقِّ شَخْصٍ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في شَفاعَتِهِ، وذَلِكَ الشَّخْصُ كانَ مِمَّنْ قالَ صَوابًا، واحْتَجَّ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهم يَشْفَعُونَ لِلْمُذْنِبِينَ؛ لِأنَّهم قالُوا صَوابًا، وهو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ صَوابًا﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ صَوابًا واحِدًا، فَكَيْفَ بِالشَّخْصِ الَّذِي قالَ القَوْلَ الَّذِي هو أصْوَبُ الأقْوالِ وتَكَلَّمَ بِالكَلامِ الَّذِي هو أشْرَفُ الكَلِماتِ؟ القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ غَيْرُ عائِدٍ إلى المَلائِكَةِ فَقَطْ بَلْ إلى جَمِيعِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، والمَقُولُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الأقْرَبِ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ في دَرَجاتِ الثَّوابِ والعِقابِ، وقَرَّرَ عَظَمَةَ يَوْمِ القِيامَةِ قالَ بَعْدَهُ:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وفي وصْفِ اليَوْمِ بِأنَّهُ حَقٌّ وُجُوهٌ:

(أحَدُها) أنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ كُلُّ الحَقِّ، ويَنْدَمِغُ كُلُّ باطِلٍ، فَلَمّا كانَ كامِلًا في هَذا المَعْنى قِيلَ إنَّهُ حَقٌّ، كَما يُقالُ: فُلانٌ خَيْرٌ كُلُّهُ إذا وُصِفَ بِأنَّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ هو اليَوْمُ الحَقُّ وما عَداهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أيّامَ الدُّنْيا باطِلُها أكْثَرُ مِن حَقِّها.

(وثانِيها): أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الكائِنُ، وبِهَذا المَعْنى يُقالُ إنَّ اللَّهَ حَقٌّ، أيْ هو ثابِتٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الفَناءُ، ويَوْمُ القِيامَةِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ حَقًّا.

(وثالِثُها): أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو اليَوْمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: يَوْمٌ؛ لِأنَّ فِيهِ تُبْلى السَّرائِرُ وتَنْكَشِفُ الضَّمائِرُ، وأمّا أيّامُ الدُّنْيا فَأحْوالُ الخَلْقِ فِيها مَكْتُومَةٌ، والأحْوالُ فِيها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا، والمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهِ عَلى الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ، وأصْحابُنا رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ فَمَن شاءَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا هَداهُ حَتّى يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ يَعْنِي العَذابَ في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، و[ هو ] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ وإنَّما سَمّاهُ

صفحة ٢٤

إنْذارًا؛ لِأنَّهُ تَعالى بِهَذا الوَصْفِ قَدْ خَوَّفَ مِنهُ نِهايَةَ التَّخْوِيفِ، وهو مَعْنى الإنْذارِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (ما) في قَوْلِهِ: