< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah078
An-Naba (78)
The Announcement, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ عَطاءً؛ لِأنَّ مَعْنى جازاهم وأعْطاهم واحِدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الشَّيْءَ الواحِدَ جَزاءً وعَطاءً، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ جَزاءً يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ، وكَوْنَهُ عَطاءً يَسْتَدْعِي عَدَمَ الِاسْتِحْقاقِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَنافٍ. والجَوابُ عَنْهُ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا وهو أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما ثَبَتَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، لا مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ الثَّوابَ عَلى اللَّهِ، فَذَلِكَ الثَّوابُ نَظَرًا إلى الوَعْدِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ جَزاءً، ونَظَرًا إلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ يَكُونُ عَطاءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (حِسابًا) فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كافِيًا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: أعْطانِي ما أحْسَبَنِي أيْ ما كَفانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، أيْ كَفانِي مِن سُؤالِي، ومِنهُ قَوْلُهُ:
صفحة ٢١
فَلَمّا حَلَلْتُ بِهِ ضَمَّنِي فَأوْلى جَمِيلًا وأعْطى حِسابًا
أيْ أعْطى ما كَفى. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (حِسابًا) مَأْخُوذٌ مِن حَسَبْتُ الشَّيْءَ إذا أعْدَدْتَهُ وقَدَّرْتَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ أيْ بِقَدْرِ ما وجَبَ لَهُ فِيما وعَدَهُ مِنَ الإضْعافِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّرَ الجَزاءَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وجْهٌ مِنها عَلى عَشَرَةِ أضْعافٍ، ووَجْهٌ عَلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، ووَجْهٌ عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، كَما قالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾[الزُّمَرِ: ١٠] . الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ أيْ كَثِيرًا، وأحْسَبْتَ فُلانًا أيْ أكْثَرْتَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ:ونُقْفِي ولِيدَ الحَيِّ إنْ كانَ جائِعًا ∗∗∗ ونُحْسِبُهُ إنْ كانَ لَيْسَ بِجائِعِ
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ الثَّوابَ الَّذِي هو الجَزاءُ إلَيْهِمْ، ويُوصِلُ التَّفَضُّلَ الَّذِي يَكُونُ زائِدًا عَلى الجَزاءِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: (حِسابًا) ثُمَّ يَتَمَيَّزُ الجَزاءُ عَنِ العَطاءِ حالَ الحِسابِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في وعِيدِ أهْلِ النّارِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾[النَّبَإ: ٢٦] ذَكَرَ في وعْدِ أهْلِ الجَنَّةِ جَزاءً (عَطاءً حِسابًا) أيْ راعَيْتُ في ثَوابِ أعْمالِكُمُ الحِسابَ، لِئَلّا يَقَعَ في ثَوابِ أعْمالِكم بَخْسٌ ونُقْصانٌ وتَقْصِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ قُطَيْبٍ: ”حَسّابًا“ بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ الحَسّابَ بِمَعْنى المُحْسِبِ كالدَّرّاكِ بِمَعْنى المُدْرِكِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في وصْفِ وعِيدِ الكُفّارِ ووَعْدِ المُتَّقِينَ، خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”رَبِّ السَّماواتِ والرَّحْمَنِ“، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ القِراءَةِ: الرَّفْعُ فِيهِما وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، والجَرُّ فِيهِما وهو قِراءَةُ عاصِمٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ، والجَرُّ في الأوَّلِ مَعَ الرَّفْعِ في الثّانِي، وهو قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وفي الرَّفْعِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ (رَبُّ السَّماواتِ) مُبْتَدَأً، و(الرَّحْمَنُ ) خَبَرَهُ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ: (لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا) .
وثانِيها: (رَبُّ السَّماواتِ) مُبْتَدَأً، و(الرَّحْمَنُ) صِفَةً و(لا يَمْلِكُونَ) خَبَرَهُ.
وثالِثُها: أنْ يُضْمَرَ المُبْتَدَأُ، والتَّقْدِيرُ ”هو رَبُّ السَّماواتِ هو الرَّحْمَنُ“ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ (لا يَمْلِكُونَ) .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ (الرَّحْمَنُ) و(لا يَمْلِكُونَ) خَبَرَيْنِ، وأمّا وجْهُ الجَرِّ فَعَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ)، وأمّا وجْهُ جَرِّ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي فَجَرُّ الأوَّلِ بِالبَدَلِ مِن (رَبِّكَ)، والثّانِي مَرْفُوعٌ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (لا يَمْلِكُونَ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (يَمْلِكُونَ) إلى مَن يَرْجِعُ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: نَقَلَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ راجِعٌ إلى المُشْرِكِينَ، يُرِيدُ لا يُخاطَبُ المُشْرِكُونَ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَيَشْفَعُونَ يَقْبَلُ اللَّهُ