< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah078
An-Naba (78)
The Announcement, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ما قَدَّمَهُ في قَوْلِهِ:﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ فَما أعْظَمَ لَطائِفَ القُرْآنِ مَعَ أنَّ الأدْوارَ العَظِيمَةَ قَدِ اسْتَمَرَّتْ، ولَمْ يَنْتَبِهْ لَها أحَدٌ، فالحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُرْهانِهِ عَلى ما خَصَّ هَذا الضَّعِيفَ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا بِجَمِيعِ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والشَّرائِعِ والقُرْآنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ في الرَّداءَةِ والفَسادِ والبُعْدِ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَوْلُهُ: (كِذّابًا) أيْ تَكْذِيبًا، وفِعّالٌ مِن مَصادِرِ التَّفَعُّلِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ:
لَقَدْ طالَ ما رَيَّثْتَنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِنا
مِن قَضَّيْتُ قِضّاءً، قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ يَمانِيَّةٌ، ونَظِيرُهُ خَرَّقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وقالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ؟ وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: كُنْتُ أُفَسِّرُ آيَةً فَقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ فَسَّرْتَها فِسّارًا ما سُمِعَ بِهِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وفِيهِ وُجُوهٌ:أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرُ كَذَّبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
فَصَدَقْتُها أوْ كَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذّابُهُ
وهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾[نُوحٍ: ١٧] يَعْنِي وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكَذَّبُوا كِذّابًا.وثانِيها: أنْ يَنْصِبَهُ بِـ: كَذَّبُوا؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى كَذَّبُوا لِأنَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ بِالحَقِّ كاذِبٌ.
وثالِثُها: أنْ يَجْعَلَ الكِذّابَ بِمَعْنى المُكاذَبَةِ، فَمَعْناهُ وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكاذَبُوا مُكاذَبَةً، أوْ كَذَّبُوا بِها مُكاذِبِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا عِنْدَ المُسْلِمِينَ كاذِبِينَ، وكانَ المُسْلِمُونَ عِنْدَهم كاذِبِينَ فَبَيْنَهم مُكاذَبَةٌ، وقُرِئَ أيْضًا كَذَلِكَ وهو جَمْعُ كاذِبٍ، أيْ كَذَّبُوا بِآياتِنا كاذِبِينَ، وقَدْ يَكُونُ الكَذّابُ بِمَعْنى الواحِدِ البَلِيغِ في الكَذِبِ، يُقالُ: رَجُلٌ كَذّابٌ كَقَوْلِكَ حَسّانٌ وبَخّالٌ، فَيُجْعَلُ صِفَةً لِمَصْدَرِ كَذَّبُوا أيْ تَكْذِيبًا كِذّابًا مُفْرِطًا كَذِبُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ فَسادَ حالِهِمْ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وفي القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بَلَغَ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ بَيَّنَ أنَّ تَفاصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ في كَمِّيَّتِها وكَيْفِيَّتِها مَعْلُومَةٌ لَهُ، وقَدْرَ ما يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ مَعْلُومٌ لَهُ، فَقالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: (كُلَّ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ (أحْصَيْناهُ) والمَعْنى: وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: (وكُلُّ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ﴾ أيْ عَلِمْنا كُلَّ شَيْءٍ كَما هو عِلْمًا لا يَزُولُ ولا يَتَبَدَّلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، واعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ لا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا تَقْرِيرًا لِما ادَّعاهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا عالِمٌ بِجَمِيعِ ما فَعَلُوهُ، وعالِمٌ بِجِهاتِ تِلْكَ الأفْعالِ وأحْوالِها واعْتِباراتِها
صفحة ١٨
الَّتِي لِأجْلِها يَحْصُلُ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ والعِقابِ، فَلا جَرَمَ لا أُوصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ إلّا قَدْرَ ما يَكُونُ وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَهُ كانَ كافِرًا قَطْعًا.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُ أحْصَيْناهُ إحْصاءً، وإنَّما عَدَلَ عَنْ تِلْكَ اللَّفْظَةِ إلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِأنَّ الكِتابَةَ هي النِّهايَةُ في قُوَّةِ العِلْمِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتابَةِ» “، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ إحْصاءً مُساوِيًا في القُوَّةِ والثَّباتِ والتَّأْكِيدِ لِلْمَكْتُوبِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (كِتابًا) تَأْكِيدُ ذَلِكَ الإحْصاءِ والعِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ إنَّما ورَدَ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِأفْهامِ أهْلِ الظّاهِرِ، فَإنَّ المَكْتُوبَ يَقْبَلُ الزَّوالَ، وعِلْمُ اللَّهِ بِالأشْياءِ لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ