< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah077
Al-Mursalaat (77)
The Emissaries, makkah, 50 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ:﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء: ١٦٥]، وقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾[طه: ١٣٤]، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ أنْ لا يَبْقى في قَلْبِهِ أنَّ لَهُ عُذْرًا، فَهَبْ أنَّ عُذْرَهُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ فاسِدٌ، فَلِمَ لا يُؤْذَنُ لَهُ في ذِكْرِهِ حَتّى يَذْكُرَهُ، ثُمَّ يُبَيَّنُ لَهُ فَسادَهُ ؟ قُلْنا: لَمّا تَقَدَّمَ الإعْذارُ والإنْذارُ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ كانَ إعادَتُها غَيْرَ مُفِيدَةٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ ؟ كَما قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾[فاطر: ٣٦] (الجَوابُ): الفاءُ هَهُنا لِلنَّسَقِ فَقَطْ، ولا يُفِيدُ كَوْنَهُ جَزاءً ألْبَتَّةَ، ومِثْلُهُ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾[البقرة: ٢٤٥] بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، وإنَّما رُفِعَ ”يَعْتَذِرُونَ“ بِالعَطْفِ؛ لِأنَّهُ لَوْ نُصِبَ لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّهم ما يَعْتَذِرُونَ؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْذَنُوا في الِاعْتِذارِ، وذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ لَهم فِيهِ عُذْرًا مُنِعُوا عَنْ ذِكْرِهِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَمّا رُفِعَ كانَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يُؤْذَنُوا في العُذْرِ، وهم أيْضًا لَمْ يَعْتَذِرُوا لا لِأجْلِ عَدَمِ الإذْنِ، بَلْ لِأجْلِ عَدَمِ العُذْرِ في نَفْسِهِ. ثُمَّ إنَّ فِيهِ فائِدَةً أُخْرى، وهي حُصُولُ المُوافَقَةِ في رُءُوسِ الآياتِ؛ لِأنَّ الآياتِ بِالواوِ والنُّونِ، ولَوْ قِيلَ: فَيَعْتَذِرُوا لَمْ تَتَوافَقِ الآياتُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ في سُورَةِ ”اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ“: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾[القمر: ٦] فَثَقَّلَ لِأنَّ آياتِها مُثَقَّلَةٌ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾[الطلاق: ٨] وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى تَثْقِيلِ الأوَّلِ وتَخْفِيفِ الثّانِي؛ لِيُوافِقَ كُلٌّ مِنهُما ما قَبْلَهُ.
صفحة ٢٤٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ السّابِعُ مِن أنْواعِ تَهْدِيدِ الكُفّارِ، وهَذا القِسْمُ مِن بابِ التَّعْذِيبِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَقَعُ فِيهِ نَوْعانِ مِنَ الحُكُومَةِ:
أحَدُهُما: ما بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ، وفي هَذا القِسْمِ كُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالرَّبِّ فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى الفَصْلِ، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالثَّوابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ المَرْءُ عَلى عَمَلِهِ، وكَذا في العِقابِ إنَّما يُحْتاجُ إلى الفَصْلِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ العَبْدِ، وهو أنْ تُقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها حَتّى يَعْتَرِفُوا.
والقِسْمُ الثّانِي: ما يَكُونُ بَيْنَ العِبادِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ؛ فَإنَّ هَذا يَدَّعِي عَلى ذاكَ أنَّهُ ظَلَمَنِي وذاكَ يَدَّعِي عَلى هَذا أنَّهُ قَتَلَنِي، فَهَهُنا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفَصْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ كَلامٌ مُوَضِّحٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمَ فَصْلِ حُكُوماتِ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فَلا بُدَّ مِن إحْضارِ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، لا سِيَّما عِنْدَ مَن لا يُجَوِّزُ القَضاءَ عَلى الغائِبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ يُشِيرُ بِهِ إلى أنَّهم كانُوا يَدْفَعُونَ الحُقُوقَ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِضُرُوبِ الحِيَلِ والكَيْدِ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَهَهُنا إنْ أمْكَنَكم أنْ تَفْعَلُوا مِثْلَ تِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ والخِداعِ والتَّلْبِيسِ فافْعَلُوا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾[البقرة: ٢٣] ثُمَّ إنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ الحِيَلَ مُنْقَطِعَةٌ، والتَّلْبِيساتِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَخِطابُ اللَّهِ تَعالى لَهم في هَذِهِ الحالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ نِهايَةٌ في التَّخْجِيلِ والتَّقْرِيعِ، وهَذا مِن جِنْسِ العَذابِ الرُّوحانِيِّ، فَلِهَذا قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾