< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah075
Al-Qiyaama (75)
The Resurrection, makkah, 40 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ:﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾[ الإسْراءِ: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ إنْ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ نَهاهُ عَنْهُ ؟ وإنْ كانَ لا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ كانَ مَأْذُونًا فِيهِ إلى وقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْذُونًا فِيهِ في وقْتٍ ثُمَّ يَصِيرُ مَنهِيًّا عَنْهُ في وقْتٍ آخَرَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: يَجُوزُ النَّسْخُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حِفْظُ التَّنْزِيلِ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ، فَأنْزَلَ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ أيْ: بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ والقُرْآنِ، وإنَّما جازَ هَذا الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، كَما
صفحة ١٩٨
أُضْمِرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾[ القَدْرِ: ١]، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾[ طه: ١١٤] وقَوْلِهِ: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لِتَعْجَلَ بِأخْذِهِ.أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالواجِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَذَلِكَ الوُجُوبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ البَعْثَةِ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ الوَحْيُ مَحْفُوظًا مُبَرَّأً عَنِ النِّسْيانِ، فَكانَ ذَلِكَ واجِبًا نَظَرًا إلى الحِكْمَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ مَعْناهُ: عَلَيْنا جَمْعُهُ في صَدْرِكَ وحِفْظِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ القُرْآنِ القِراءَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيُعِيدُهُ عَلَيْكَ حَتّى تَحْفَظَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا سَنُقْرِئُكَ يا مُحَمَّدُ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾[ الأعْلى: ٦]؛ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ القارِئُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي القارِئُ مُحَمَّدٌ ﷺ .
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القُرْآنِ الجَمْعَ والتَّأْلِيفَ، مِن قَوْلِهِمْ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ، أيْ: ما جَمَعَتْ، وبِنْتُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ القُرْءِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الجَمْعُ والقُرْآنُ واحِدًا فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ، قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَمْعِ جَمْعَهُ في نَفْسِهِ ووُجُودَهُ الخارِجِيَّ، ومِنَ القُرْآنِ جَمْعَهُ في ذِهْنِهِ، وحِفْظَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: