< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الكَلِمَةُ أوْجَبَتْ ما بَعْدَ النَّفْيِ وهو الجَمْعُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ يَجْمَعُها، وفي قَوْلِهِ:﴿قادِرِينَ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”نَجْمَعُ“ أيْ نَجْمَعُ العِظامَ قادِرِينَ عَلى تَأْلِيفِها جَمِيعِها وإعادَتِها إلى التَّرْكِيبِ الأوَّلِ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الحالَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ إذا أمْكَنَ وُقُوعُ ذَلِكَ الأمْرِ لا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا راكِبًا لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ نَرى زَيْدًا غَيْرَ راكِبٍ، وهَهُنا كَوْنُهُ تَعالى جامِعًا لِلْعِظامِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ إلّا مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا، فَكانَ جَعْلُهُ حالًا جارِيًا مَجْرى بَيانِ الواضِحاتِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.

والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ كُنّا قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ في الِابْتِداءِ فَوَجَبَ أنْ نَبْقى قادِرِينَ عَلى تِلْكَ التَّسْوِيَةِ في الِانْتِهاءِ، وقُرِئَ ”قادِرُونَ“ أيْ ونَحْنُ قادِرُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ نَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، أيْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ تُرابًا كَما كانَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ في الِابْتِداءِ قَدَرَ أيْضًا عَلَيْهِ في الإعادَةِ وإنَّما خُصَّ البَنانُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ آخِرُ ما يَتِمُّ خَلْقُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَقْدِرُ عَلى ضَمِّ سُلاماتِهِ عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها بَعْضِها إلى بَعْضٍ كَما كانَتْ أوَّلًا مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَفاوُتٍ، فَكَيْفَ القَوْلُ في كِبارِ العِظامِ.

وثانِيها: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أيْ نَجْعَلُها مَعَ كَفِّهِ صَفِيحَةً مُسْتَوِيَةً لا شُقُوقَ فِيها كَخُفِّ البَعِيرِ، فَيُعْدَمُ الِارْتِفاقُ بِالأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ وسائِرِ الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي يُسْتَعانُ عَلَيْها بِالأصابِعِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾، فَيَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ أيْضًا اسْتِفْهامًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إيجابًا كَأنَّهُ اسْتَفْهَمَ أوَّلًا ثُمَّ أتى بِهَذا الإخْبارِ ثانِيًا.

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أيْ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَنْزِعُ عَنْهُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ، يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ، حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَلى شَرِّ أحْوالِهِ وأسْوَأِ أعْمالِهِ.

القَوْلُ الثّانِي: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيَكْذِبَ بِما أمامَهُ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ حَقًّا كانَ كاذِبًا وفاجِرًا

صفحة ١٩٣

والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ فالمَعْنى: ﴿يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيُكَذِّبَ بِيَوْمِ القِيامَةِ وهو أمامَهُ، فَهو يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ، مَتى يَكُونُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَسْألُ سُؤالَ مُسْتَنْعِتٍ مُسْتَبْعِدٍ لِقِيامِ السّاعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾، ونَظِيرُهُ ﴿يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ واعْلَمْ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ تارَةً يَتَوَلَّدُ مِنَ الشُّبْهَةِ وأُخْرى مِنَ الشَّهْوَةِ. أمّا مِنَ الشُّبْهَةِ فَهو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ، فَإذا ماتَ تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ البَدَنِ واخْتَلَطَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِسائِرِ أجْزاءِ التُّرابِ وتَفَرَّقَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَكانَ تَمْيِيزُها بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِها مُحالًا، فَكانَ البَعْثُ مُحالًا. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ ساقِطَةٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإنْسانَ هو هَذا البَدَنُ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَيْءٌ مُدَبِّرٌ لِهَذا البَدَنِ، فَإذا فَسَدَ هَذا البَدَنُ بَقِيَ هو حَيًّا كَما كانَ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّهُ إلى أيِّ بَدَنٍ شاءَ وأرادَ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَسْقُطُ السُّؤالُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذا لِأنَّهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ