< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُهُ:﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾[ الأعْرافِ: ١٤٣] فَلَوْ كانَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ

صفحة ٢٠٢

المَرْئِيِّ، لاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أثْبَتَ لِلَّهِ تَعالى وِجْهَةً ومَكانًا، وذَلِكَ مُحالٌ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى الإرادَةِ فَيَكُونُ النَّظَرُ مُتَأخِّرًا عَنِ الإرادَةِ، وتَقْلِيبُ الحَدَقَةِ غَيْرَ مُتَأخِّرٍ عَنِ الإرادَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ عِبارَةً عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جانِبِ المَرْئِيِّ.

* * *

المَقامُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى الصَّوابِ، سَلَّمْنا أنَّ النَّظَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، لَكِنّا نَقُولُ: لَمّا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُسَبِّبِهِ وهو الرُّؤْيَةُ، إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وحَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ، لِأنَّ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ كالسَّبَبِ لِلرُّؤْيَةِ ولا تَعَلُّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِظارِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الِانْتِظارِ.

أمّا قَوْلُهُ: النَّظَرُ جاءَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، قُلْنا: لَنا في الجَوابِ مَقامانِ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ الوارِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَنِ البَتَّةَ بِحَرْفِ ”إلى“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾[ الحَدِيدِ: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾[ الأعْرافِ: ٥٣]﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾[ البَقَرَةِ: ٢١٠] والَّذِي نَدَّعِيهِ أنَّ النَّظَرَ المَقْرُونَ بِحَرْفِ ”إلى“ المُعَدّى إلى الوُجُوهِ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أوْ بِالمَعْنى الَّذِي يَسْتَعْقِبُ الرُّؤْيَةَ - ظاهِرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَرِدَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ.

وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:

وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا

قُلْنا: هَذا الشِّعْرُ مَوْضُوعٌ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ:

وُجُوهٌ ناظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ∗∗∗ إلى الرَّحْمَنِ تَنْتَظِرُ الخَلاصا

والمُرادُ مِن هَذا الرَّحْمَنِ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ، لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَأصْحابُهُ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَتَوَقَّعُونَ مِنهُ التَّخَلُّصَ مِنَ الأعْداءِ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:

وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ

فالجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الِانْتِظارَ، لِأنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِظارِ لا يَسْتَعْقِبُ العَطِيَّةَ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ“ وإذا سَألَتُكَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ إلى الإنْسانِ مُقَدِّمَةُ المُكالَمَةِ، فَجازَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهِ، وقَوْلُهُ: كَلِمَةُ ”إلى“ هَهُنا لَيْسَ المُرادُ مِنهُ حَرْفَ التَّعَدِّي، بَلْ واحِدُ الآلاءِ، قُلْنا: إنَّ ”إلى“ عَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ اسْمًا لِلْماهِيَّةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّها نِعْمَةٌ، فَعَلى هَذا يَكْفِي في تَحَقُّقِ مُسَمّى هَذِهِ اللَّفْظَةِ أيُّ جُزْءٍ فُرِضَ مِن أجْزاءِ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأهْلُ الثَّوابِ يَكُونُونَ في جَمِيعِ مَواقِفِ القِيامَةِ في النِّعَمِ العَظِيمَةِ المُتَكامِلَةِ، ومَن كانَ حالُهُ كَذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُبَشَّرَ بِأنَّهُ يَكُونُ في تَوَقُّعِ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النِّعْمَةِ، ومِثالُ هَذا أنْ يُبَشِّرَ سُلْطانُ الأرْضِ بِأنَّهُ سَيَصِيرُ حالُكَ في العَظَمَةِ والقُوَّةِ بَعْدَ سَنَةٍ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَوَقِّعًا لِحُصُولِ اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الخُبْزِ والقَطْرَةِ الواحِدَةِ مِنَ الماءِ، وكَما أنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ مِنَ القَوْلِ، فَكَذا هَذا.

المَقامُ الثّانِي: هَبْ أنَّ النَّظَرَ المُعَدّى بِحَرْفِ ”إلى“ المَقْرُونَ بِالوُجُوهِ - جاءَ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ لَذَّةَ الِانْتِظارِ مَعَ يَقِينِ الوُقُوعِ كانَتْ حاصِلَةً في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في

صفحة ٢٠٣

الآخِرَةِ شَيْءٌ أزْيَدُ مِنهُ حَتّى يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو قُرْبَ الحُصُولِ، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالعَقْلِ، فَبَطَلَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ.

وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ: إلى ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ، فَهَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وقَوْلُهُ: إنَّما