< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah073
Al-Muzzammil (73)
The Enshrouded One, makkah, 20 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
السَّماءَ عَلى عِظَمِها وقُوَّتِها تَنْفَطِرُ فِيهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (الِانْفِطارِ: ١) وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: مُنْفَطِرَةٌ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: رَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: إنَّما قالَ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ؛ لِأنَّ مَجازَها مَجازُ السَّقْفِ، تَقُولُ: هَذا سَماءُ البَيْتِ.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وهي هَهُنا في وُجُوهِ التَّذْكِيرِ، وأنْشَدَ شِعْرًا:
فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالنُّجُومِ مَعَ السَّحابِ
وثالِثُها: أنَّ تَأْنِيثَ السَّماءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وما كانَ كَذَلِكَ جازَ تَذْكِيرُهُ.قالَ الشّاعِرُ:
والعَيْنُ بِالإثْمِدِ ∗∗∗ الخَيْرِيِّ مَكْحُولُ
وقالَ الأعْشى:فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ السَّماءُ ذاتَ انْفِطارٍ، فَيَكُونَ مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ، والشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وكَقَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ، أيْ ذاتُ رَضاعٍ.السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مُنْفَطِرٌ فِيهِ.
وثانِيها: أنَّ الباءَ في ”بِهِ“ مِثْلُها في قَوْلِكَ: فَطَرْتُ العُودَ بِالقَدُومِ فانْفَطَرَ بِهِ، يَعْنِي أنَّها تَنْفَطِرُ لِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِهِ، كَما يَنْفَطِرُ الشَّيْءُ بِما يَنْفَطِرُ بِهِ.
وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يُرادَ: السَّماءُ مُثْقَلَةٌ بِهِ إثْقالًا يُؤَدِّي إلى انْفِطارِها لِعِظَمِ تِلْكَ الواقِعَةِ عَلَيْها وخَشْيَتِها مِنها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾[ الأعْرافِ: ١٨٧] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وعْدُهُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَفْعُولِ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الفاعِلِ. أمّا الأوَّلُ فَأنْ يَكُونَ المَعْنى: وعْدُ ذَلِكَ اليَوْمِ مَفْعُولٌ، أيِ: الوَعْدُ المُضافُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ واجِبُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى وعِلْمَهُ يَقْتَضِيانِ إيقاعَهُ.
وأمّا الثّانِي: فَأنْ يَكُونَ المَعْنى وعْدُ
صفحة ١٦٤
اللَّهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ، وهَهُنا وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّهُ حَسُنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ في أوَّلِ السُّورَةِ بِشَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ أحْوالَهم قِسْمانِ:أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ لِلْمَوْلى فَقَدَّمَ ذَلِكَ.
والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالمُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ . وأمّا الأشْقِياءُ فَقَدْ بَدَأ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنْواعَ عَذابِ الآخِرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الأخْذُ الوَبِيلُ في الدُّنْيا، ثُمَّ وصَفَ بَعْدَهُ شِدَّةَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَعِنْدَ هَذا تَمَّ البَيانُ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا جَرَمَ خَتَمَ ذَلِكَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتُ تَذْكِراتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعِ الهِدايَةِ والإرْشادِ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ واتِّخاذُ السَّبِيلِ عِبارَةٌ عَنْ الِاشْتِغالِ بِالطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أقَلُّ مِنهُما، وإنَّما اسْتُعِيرَ الأدْنى وهو الأقْرَبُ لِلْأقَلِّ لِأنَّ المَسافَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الأحْيازِ وإذا بَعُدَتْ كَثُرَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ“ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّكَ تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ وتَقُومُ النِّصْفَ، وقُرِئَ ”ونِصْفِهِ وثُلُثِهِ“ بِالجَرِّ، أيْ: تَقُومُ أقَلَّ مِنَ الثُّلُثَيْنِ والنِّصْفِ والثُّلُثِ، لَكِنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ تارِكًا لِلْواجِبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾وهم أصْحابُكَ يَقُومُونَ مِنَ