< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مَعْناهُ تَعالى أصْلُ رَبِّنا وأصْلُهُ حَقِيقَتُهُ المَخْصُوصَةُ الَّتِي لِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ إنَّها هي تَكُونُ واجِبَةَ الوُجُودِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّ حَقِيقَتَهُ المَخْصُوصَةَ مُتَعالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ التَّعَلُّقِ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ جَدًّا رَبُّنا بِالنَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وجِدُّ رَبِّنا بِالكَسْرِ أيْ صِدْقُ رُبُوبِيَّتِهِ وحَقُّ إلَهِيَّتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، وكَأنَّ هَؤُلاءِ الجِنَّ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَنَبَّهُوا لِفَسادِ ما عَلَيْهِ كَفَرَةُ الجِنِّ، فَرَجَعُوا أوَّلًا عَنِ الشِّرْكِ وثانِيًا عَنْ دِينِ النَّصارى.

النَّوْعُ الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ الجِنُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ السَّفَهُ خِفَّةُ العَقْلِ، والشَّطَطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الظُّلْمِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ أشَطَّ في الصَّوْمِ إذا أبْعَدَ فِيهِ، أيْ يَقُولُ قَوْلًا هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ لِفَرْطِ ما أشَطَّ فِيهِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّطَطُ هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في جانِبِ النَّفْيِ أوْ في جانِبِ الإثْباتِ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مَذْمُومٌ، فَمُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفْيِ تُفْضِي إلى التَّعْطِيلِ، ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في الإثْباتِ تُفْضِي إلى التَّشْبِيهِ وإثْباتِ الشَّرِيكِ والصّاحِبَةِ والوَلَدِ. وكِلا الأمْرَيْنِ شَطَطٌ ومَذْمُومٌ.

النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنّا إنَّما أخَذْنا قَوْلَ الغَيْرِ لِأنّا ظَنَنّا أنَّهُ لا يُقالُ الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، فَلَمّا

صفحة ١٣٨

سَمِعْنا القُرْآنَ عَلِمْنا أنَّهم قَدْ يَكْذِبُونَ، وهَذا مِنهم إقْرارٌ بِأنَّهم إنَّما وقَعُوا في تِلْكَ الجَهالاتِ، بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهم إنَّما تَخَلَّصُوا عَنْ تِلْكَ الظُّلُماتِ بِبَرَكَةِ الِاسْتِدْلالِ والِاحْتِجاجِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: كَذِبًا بِمَ نُصِبَ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ قَوْلًا كَذِبًا.

وثانِيها: أنَّهُ نُصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ.

وثالِثُها: أنَّ مَن قَرَأ: ”أنْ لَنْ تَقُولَ“ وضَعَ كَذِبًا مَوْضِعَ تَقَوُّلًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ صِفَةً؛ لِأنَّ التَّقَوُّلَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا.

النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ إذا سافَرَ فَأمْسى في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ، قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي أوْ بِعَزِيزِ هَذا المَكانِ مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ في جِوارٍ مِنهم حَتّى يُصْبِحَ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا قُحِطُوا بَعَثُوا رائِدَهم، فَإذا وجَدَ مَكانًا فِيهِ كَلَأٌ وماءٌ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَيُنادِيهِمْ، فَإذا انْتَهَوْا إلى تِلْكَ الأرْضِ نادَوْا نَعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِنَ أنْ يُصِيبَنا آفَةٌ يَعْنُونَ الجِنَّ، فَإنْ لَمْ يُفْزِعْهم أحَدٌ نَزَلُوا، ورُبَّما تُفْزِعُهُمُ الجِنُّ فَيَهْرُبُونَ.

القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ أيْضًا، لَكِنْ مِن شَرِّ الجِنِّ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِن شَرِّ جِنِّ هَذا الوادِي، وأصْحابُ هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ اسْمُ الإنْسِ لا اسْمُ الجِنِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذَّكَرَ مِنَ الجِنِّ لا يُسَمّى رَجُلًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ زادُوهم إثْمًا وجُرْأةً وطُغْيانًا وخَطِيئَةً وغَيًّا وشَرًّا، كُلُّ هَذا مِن ألْفاظِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: الرَّهَقُ غَشَيانُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾[يُونُسَ: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾[عَبَسَ: ٤١] ورَجُلٌ مُرْهَقٌ أيْ يَغْشاهُ السّائِلُونَ.

ويُقالُ: رَهَقَتْنا الشَّمْسُ إذا قَرُبَتْ، والمَعْنى أنَّ رِجالَ الإنْسِ