< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah072
Al-Jinn (72)
The Jinn, makkah, 28 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ، حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ غَيْرَ الرُّسُلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ.
وثانِيها: أنَّ جَمِيعَ أرْبابِ المِلَلِ والأدْيانِ مُطْبِقُونَ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وأنَّ المُعَبِّرَ قَدْ يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِ الوَقائِعِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَكُونُ صادِقًا فِيهِ.
وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مُلْكِ شاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ، وسَألَها عَنِ الأحْوالِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ فَذَكَرَتْ أشْياءَ، ثُمَّ إنَّها وقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها.
(قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ) خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالحُسْنى: وأنا قَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ، حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ إخْبارًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وجاءَتْ تِلْكَ الوَقائِعُ عَلى وفْقِ خَبَرِها، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ في كِتابِ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها، وقالَ: لَقَدْ تَفَحَّصْتُ عَنْ حالِها مُدَّةَ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ إخْبارًا مُطابِقًا.
ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ [ذَلِكَ] في أصْحابِ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، ولَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ بَلْ قَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ أيْضًا مَن يَكُونُ كَذَلِكَ، نَرى الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ سَهْمُ الغَيْبِ عَلى دَرَجَةِ طالِعِهِ يَكُونُ كَذَلِكَ في كَثِيرٍ مِن أخْبارِهِ وإنْ كانَ قَدْ يَكْذِبُ أيْضًا في أكْثَرِ تِلْكَ الأخْبارِ، ونَرى الأحْكامَ النُّجُومِيَّةَ قَدْ تَكُونُ مُطابِقَةً ومُوافِقَةً لِلْأُمُورِ، وإنْ كانُوا قَدْ يَكْذِبُونَ في كَثِيرٍ مِنها، وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنَ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ فَعَلِمْنا أنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْ مَنِ ارْتَضى لِلرِّسالَةِ، ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا أيْ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ مِن وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ وتَخالِيطِهِمْ، حَتّى يَبْلُغَ ما أوْحى بِهِ إلَيْهِ، ومِن زَحْمَةِ شَياطِينِ الإنْسِ حَتّى لا يُؤْذُونَهُ ولا يَضُرُّونَهُ وعَنِ الضَّحّاكِ ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِصُورَةِ المَلَكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وحَّدَ الرَّسُولُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ ثُمَّ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ .
صفحة ١٥٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِحُدُوثِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا الرِّسالَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾[مُحَمَّدٍ: ٣١] (والجَوابُ) مِن وجْهَيْنِ:الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا الرِّسالَةَ كَما بَلَّغَ هو الرِّسالَةَ، وعَلى هَذا، اللّامُ في قَوْلِهِ: (لَيَعْلَمَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبَرْناهُ بِحِفْظِ الوَحْيِ لِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا عَلى مِثْلِ حالَتِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا أيْ جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ يُبْعَثُونَ إلى الرُّسُلِ رِسالاتِ رَبِّهِمْ، فَلا يَشُكُّ فِيها ويَعْلَمُ أنَّها حَقٌّ مِنَ اللَّهِ.
الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ أنَّ المَعْنى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغَ الأنْبِياءُ رِسالاتِ رَبِّهِمْ، والعِلْمُ هَهُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٢] والمَعْنى لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، فَيَعْلَمَ ذَلِكَ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ لِيُعْلَمَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ