< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أيْ فَحُكْمُهُ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حَمْلًا عَلى مَعْنى الجَمْعِ في مَن وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ مُخَلَّدُونَ في النّارِ، وأنَّ هَذا العُمُومَ يَشْمَلُهم كَشُمُولِهِ الكُفّارَ، قالُوا: وهَذا الوَعِيدُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَوْبَةٌ ولا طاعَةٌ أعْظَمَ مِنها، قالُوا: وهَذا العُمُومُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ مِن سائِرِ العُمُوماتِ؛ لِأنَّ سائِرَ العُمُوماتِ ما جاءَ فِيها قَوْلُهُ: (أبَدًا) فالمُخالِفُ يَحْمِلُ الخُلُودَ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ، أمّا هَهُنا [فَقَدْ] جاءَ لَفْظُ الأبَدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ صَرِيحًا في إسْقاطِ الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُخالِفُ (والجَوابُ) أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ وُجُوهَ الأجْوِبَةِ عَلى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ العُمُوماتِ، ونُزِيدُ هَهُنا وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ تَخْصِيصَ العُمُومِ بِالواقِعَةِ الَّتِي لِأجْلِها ورَدَ ذَلِكَ العُمُومُ عُرْفٌ مَشْهُورٌ، فَإنَّ المَرْأةَ إذا أرادَتْ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الدّارِ ساعَةً، فَقالَ الزَّوْجُ: إنْ خَرَجْتِ فَأنْتِ طالِقٌ يُفِيدُ ذَلِكَ اليَمِينَ بِتِلْكَ السّاعَةِ المُعَيَّنَةِ حَتّى إنَّها لَوْ خَرَجَتْ في يَوْمٍ آخَرَ لَمْ تُطَلَّقْ، فَهَهُنا أجْرى الحَدِيثَ في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ مَن يَعْصِ اللَّهَ في تَبْلِيغِ رِسالاتِهِ وأداءِ وحْيِهِ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وإذا كانَ ما ذَكَرْنا مُحْتَمَلًا سَقَطَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ هَذا الوَعِيدَ لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ هَذِهِ الصُّورَةَ؛ لِأنَّ مِنَ القَبِيحِ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ هَذِهِ الواقِعَةِ حُكْمًا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِها، فَيَكُونُ هَذا الوَعِيدُ وعِيدًا عَلى تَرْكِ التَّبْلِيغِ مِنَ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ التَّبْلِيغِ مِنَ اللَّهِ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، والعُقُوبَةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أعْظَمِ الذُّنُوبِ، لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُرَتَّبَةً عَلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ المُتَفاوِتَةَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في العُقُوبَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ عَلى هَذا الذَّنْبِ، وثَبَتَ أنَّ ما كانَ عُقُوبَةً عَلى هَذا الذَّنْبِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى سائِرِ الذُّنُوبِ، عَلِمْنا أنَّ هَذا الحَكَمَ مُخْتَصٌّ بِهَذا الذَّنْبِ وغَيْرُ مُتَعَدٍّ إلى سائِرِ الذُّنُوبِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عُمُوماتِ الوَعِيدِ في سائِرِ آياتِ القُرْآنِ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِقَيْدِ الأبَدِ، وذَكَرَها هَهُنا بِقَيْدِ الأبَدِ، فَلا بُدَّ في هَذا التَّخْصِيصِ مِن سَبَبٍ، ولا سَبَبَ إلّا أنَّ هَذا الذَّنْبَ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، وإذا كانَ السَّبَبُ في هَذا التَّخْصِيصِ هَذا المَعْنى، عَلِمْنا أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِهَذا الذَّنْبِ وغَيْرُ مُتَعَدٍّ إلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِفاعِلِ هَذا

صفحة ١٤٧

الذَّنْبِ، صارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ حالَ سائِرِ المُذْنِبِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾[الكافِرُونَ: ٦] أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم. وإذا ثَبَتَ أنَّ لَهم هَذِهِ الحالَةَ لا لِغَيْرِهِمْ، وجَبَ في سائِرِ المُذْنِبِينَ أنْ لا يَكُونَ لَهم نارُ جَهَنَّمَ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ لَنا عَلَيْهِمْ. وعَلى تَمَسُّكِهِمْ بِالآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي، وذَلِكَ هو الكافِرُ، ونَحْنُ نَقُولُ بِأنَّ الكافِرَ يَبْقى في النّارِ مُؤَبَّدًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾يَصِحُّ اسْتِثْناءُ جَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي عَنْهُ، مِثْلُ أنْ يُقالَ: ومَن يَعْصِ اللَّهَ إلّا في الكُفْرِ