< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah071
Nooh (71)
Noah, makkah, 28 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (( الجَوابُ) الغَرَضُ الزَّجْرُ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وعَنِ التَّهالُكِ عَلَيْها والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ بِسَبَبِ حُبِّها، يَعْنِي أنَّ غُلُوَّهم في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها بَلَغَ إلى حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى إنْسانَيْنِ يَسْمَعانِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الكَلامُ في حَقِّ أحَدِهِما سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ، والمَيْلِ والرَّغْبَةِ، وفي حَقِّ الثّانِي سَبَبًا لِمَزِيدِ العُتُوِّ والتَّكَبُّرِ، ونِهايَةِ النَّفْرَةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ تِلْكَ النَّفْرَةَ والرَّغْبَةَ حَصَلَتا بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ، فَإنَّ هَذا مُكابَرَةٌ في المَحْسُوسِ، فَإنَّ صاحِبَ النَّفْرَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ النَّفْرَةِ، وصاحِبُ الرَّغْبَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ الرَّغْبَةِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ التَّمَرُّدُ والإعْراضُ، وإنْ حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ، فَعَلِمْنا أنَّ إفْضاءَ سَماعِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في حَقِّ أحَدِهِما إلى الرَّغْبَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وفي حَقِّ الثّانِي إلى النَّفْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ حُصُولَ النَّفْرَةِ والرَّغْبَةِ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، لَكِنْ حُصُولُ العِصْيانِ عِنْدَ النَّفْرَةِ يَكُونُ بِاخْتِيارِهِ، فَإنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مَعَ تِلْكَ النَّفْرَةِ أنْ يَنْقادَ ويُطِيعَ، قُلْنا: إنَّهُ لَوْ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ غَيْرَ مُعارَضَةٍ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الرَّغْبَةِ بَلْ خالِصَةً عَنْ جَمِيعِ
صفحة ١٢١
شَوائِبِ الرَّغْبَةِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ الفِعْلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عِنْدَما تَحْصُلُ النَّفْرَةُ والرَّغْبَةُ لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ البَتَّةَ، فَعِنْدَ حُصُولِ النَّفْرَةِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ المُقْتَضِي وُجُودُ المانِعِ، فَبِأنْ يَصِيرَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعاهم إلى العِبادَةِ والتَّقْوى والطّاعَةِ، لِأجْلِ أنْ يُغْفَرَ لَهم، فَإنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ هو حُصُولُ المَغْفِرَةِ، وأمّا الطّاعَةُ فَهي إنَّما طُلِبَتْ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ لَمّا أمَرَهم بِالعِبادَةِ قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ فَلَمّا كانَ المَطْلُوبُ الأوَّلُ مِنَ الدَّعْوَةِ حُصُولَ المَغْفِرَةِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم عامَلُوهُ بِأشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في التَّقْلِيدِ إلى حَيْثُ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا الحُجَّةَ والبَيِّنَةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: تَغَطَّوْا بِها، إمّا لِأجْلِ أنْ لا يُبْصِرُوا وجْهَهُ، كَأنَّهم لَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، ولا أنْ يَرَوْا وجْهَهُ. وإمّا لِأجْلِ المُبالَغَةِ في أنْ لا يَسْمَعُوا، فَإنَّهم إذا جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، ثُمَّ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم مَعَ ذَلِكَ، صارَ المانِعُ مِنَ السَّماعِ أقْوى.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأصَرُّوا﴾ والمَعْنى أنَّهم أصَرُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ، أوْ عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ أيْ عَظِيمًا بالِغًا إلى النِّهايَةِ القُصْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ .واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَراتِبَ دَعْوَتِهِ كانَتْ ثَلاثَةً، فَبَدَأ بِالمُناصَحَةِ في السِّرِّ، فَعامَلُوهُ بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ثَنى بِالمُجاهَرَةِ، فَلَمّا لَمْ يُؤَثِّرْ جَمَعَ بَيْنَ الإعْلانِ والإسْرارِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ دالَّةٌ عَلى تَراخِي بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ عَنْ بَعْضٍ إمّا بِحَسَبِ الزَّمانِ، أوْ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الإسْرارِ والجِهارِ أغْلَظُ مِنَ الجِهارِ وحْدَهُ، فَإنْ