< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah070
Al-Ma'aarij (70)
The Ascending Stairways, makkah, 44 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾[الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
صفحة ١١٦
﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾وسادِسُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا.
وسابِعُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ بِشَهادَتِهِمْ وبِشَهاداتِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيُفْرَدُ كَما تُفْرَدُ المُصادِرُ وإنْ أُضِيفَ لِجَمْعٍ كَقَوْلِهِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ. ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ، وكَثُرَتْ ضُرُوبُها فَحَسُنَ الجَمْعُ مِن جِهَةِ الِاخْتِلافِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: يَعْنِي الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ يَقُومُونَ بِها بِالحَقِّ، ولا يَكْتُمُونَها، وهَذِهِ الشَّهاداتُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّها مِن بَيْنِها إبانَةً لِفَضْلِها؛ لِأنَّ في إقامَتِها إحْياءَ الحُقُوقِ، وفي تَرْكِها إبْطالَها وتَضْيِيعَها، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ الشَّهادَةَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثامِنُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ وعَدَ هَؤُلاءِ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ المُهْطِعُ المُسْرِعُ وقِيلَ: المادُّ عُنُقَهُ، وأنْشَدُوا فِيهِ:
بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَفُّونَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا فِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ، ويَقُولُونَ: إذا دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّينَ أعْناقَهم إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، وإسْراعُهُمُ المَذْكُورُ هو الإسْراعُ في الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . [المائِدَةِ: ٤١] .* *